للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


= ثم إن التواتر نوعان: تواتر معنوي، وتواتر لفظي، أما المعنوي: فإنه اشتراك الرواة الذين يؤمن كذبهم على رواية معنى واحد في ضمن ألفاظ مختلفة يشترك هذا المعنى فيها جميعًا، وهو كثير جدًّا في الشريعة، ويضربون له مثل: كرم حاتم، فإن الرواة روت قصصًا كثيرة جدًّا في حوادث له دلت كلها على أنه جواد كريم. وضرب له المؤلف في التدريب مثلًا من الحديث "أحاديث رفع اليدين في الدعاء" قال: "فقد روي عنه نحو مائة حديث فيه: رفع يديه في الدعاء، وقد جمعتها في جزء، لكنها قضايا مختلفة، فكل قضية مها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها - وهو الرفع عند الدعاء -: تواتر باعتبار المجموع". وهو مثال جيد جدًّا.
ومن المتواتر المعنوي عندي: المتواتر العملي، وهو ما علم من الدين بالضرورة وتواتر عند المسلمين أن النبي فعله أو أمر به أو غير ذلك، وهو الذي ينطبق عليه تعريف الإجماع انطباقًا صحيحًا. مثل مواقيت الصلوات وأعداد ركعاتها وصلاة الجنازة والعيدين وحجاب النساء عن غير ذي محرم لها ومقادير زكاة المال، إلى ما لا يعد ولا يحصى من شرائع الإسلام.
وأما المتواتر اللفظي: فهو أن يتواتر لفظ الحديث نفسه بالصفة التي شرحناها في تعريف المتواتر، وهو قليل بالنسبة لغيره في الحديث. بل ادعى بعضهم أنه غير موجود، وادعى ابن الصلاح أنه "لا يكاد يوجد في رواياتهم" ورد الحافظ ابن حجر على هاتين الدعويين، فقال: "ما ادعاه ابن الصلاح من عزة المتواتر وكذا ما ادعاه غيره من العدم -: ممنوع، لأن ذلك نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطؤا على الكذب أو يحصل منهم اتفاقًا. ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجودًا وجود كثرة في الأحاديث أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقًا وغربًا - المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مؤلفيها - إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت طرقه تعددًا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب -: أفاد العلم اليقيني بصحته إلى قائله. ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير" وأوضح مثال له حديث "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" فإنه رواه خمس وسبعون صحابيًا، وقيل أكثر من ذلك.
قال المؤلف في التدريب: "لقد ألفت في هذا النوع كتابًا لم أُسبق إلى مثله، سميته: الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة مرتبًا على الأبواب، أوردت فيه كل حديث بأسانيد من خرجه وطرقه، ثم لخصته في جزء لطيف سميته: قطف الأزهار، اقتصرت فيه على عزو كل طريق لمن أخرجها من الأئمة، وأوردت فيه أحاديث كثيرة. منها: حديث (الحوض) من رواية نيف وخمسين صحابيًا. وحديث (المسح على الخفين) من رواية سبعين صحابيًا. وحديث (رفع اليدين في الصلاة) من رواية نحو خمسين. وحديث (نضر الله امرأ سمع مقالتي) من رواية نحو ثلاثين. وحديث (نزل القرآن على سبعة أحرف) من رواية سبع وعشرين. وحديث (من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة) من رواية عشرين. وحديث (كل مسكر حرام). وحديث (بدأ الإسلام غريبًا) وحديث (سؤال منكر ونكير). وحيث (كل ميسر لما خلق له). وحديث (المرء مع من أحب). وحديث (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة). وحديث (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) -: كلها متواترة، في أحاديث جمة أودعناها كتابنا المذكور. ولله الحمد".
تنبيه: أخطأ الحافظ السيوطي خطأ غريبًا في النقل عن نفسه، إذ سمى كتابه الأول في الأخبار المتواترة "الأزهار المتناثرة" وسمى ما اختصره منه "قطف الأزهار". وليس كذلك، بل كتابه الأول اسمه: "الفوائد =

<<  <   >  >>