للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وَمَا رَوَاهُ عَدَدٌ جَمٌّ يَجِبْ … إِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْكَذِبْ

فَالْمُتَوَاتِرُ، وَقَوْمٌ حَدَّدُوا … بِعَشْرَةٍ، وَهُوَ لَدَيَّ أَجْوَدُ

وَالْقَوْلُ بِاثْنَيْ عَشْرٍ أَوْ عِشْرِينَا … يُحْكَى وَأَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَا

وَبَعْضُهُمْ قَدِ ادَّعَى فِيهِ الْعَدَمْ … وَبَعْضُهُمْ عِزَّتَهُ، وَهُوَ وَهَمْ

بَلِ الصَّوابُ أَنَّهُ كَثِيرُ … وَفِيهِ لِي مُؤَلَّفٍ نَضِيرُ

خَمْسٌ وَسَبْعُونَ رَوَوْا "مَنْ كَذَبَا" … وَمِنْهُمُ الْعَشْرَةُ ثُمَّ انْتَسَبَا

لَهَا حَدِيثُ "الرَّفْعِ لِلْيَدَيْنِ" … (وَ"الْحَوْضِ") وَ"الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ (١)


= في المتن والسند معًا، وتكون في السند وحده، وقد تكون بأصل الحديث، وقد تكون بزيادة في المتن، وقد تكون بزيادة في السند، ولا تكون الغرابة في المتن كله وحده دون السند؛ لأن المتن إذا كان غريبًا بإسناد معين كان الإسناد إلى هذا المتن إسنادًا غريبًا، فيكون غريب المتن والإسناد معًا، وأما غرابة الإسناد وحده فتكون في حديث معروف بأسانيد أخرى، ويأتي بإسناد انفرد به راو واحد، فيكون هذا الإسناد غريبًا.
وأمثلة هذه الأنواع كثيرة معروفة في كتب السنة وكتب المصطلح، وإنما نريد أن ننبه هنا على مثال واحد يخطئ فيه الناس، وهو حديث "إنما الأعمال بالنيات" فقد زعم بعضهم أنه مشهور، بل غالى غيره فادعى أنه متواتر، والحق أنه حديث غريب، أي فرد مطلق، فإنه تفرد به عمر عن النبي ، وتفرد به علقمة عن عمر، وتفرد به محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة، وتفرد به يحيى بن سعيد عن التيمي، ثم اشتهر بعد ذلك - بل تواتر - عن يحيى بن سعيد، وقد ورد بأسانيد أخر من غير حديث عمر، ولكنها كلها أسانيد ضعاف.
وقد يطلق بعض العلماء اسم "المشهور" على الأحاديث التي اشتهرت على ألسنة الناس، سواء كانت صحيحة أم ضعيفة أم مكذوبة. ولا يريدون بها "المشهور" في اصطلاح المحدثين. وفي هذا كتب جمة مفيدة، تبين الصحيح منها من غيره، من أنفعها كتاب "تمييز الطيب من الخبيث" لابن الديبع الشيباني مؤلف تيسير الوصول، وكتاب "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس" لإسماعيل بن محمد العجلوني المتوفى سنة ١١٦٢، وهو في مجلدين.
(١) من الحديث المشهور نوع يدعى "المتواتر" وهو اصطلاح يغلب في ألفاظ الفقهاء والأصوليين، وجاء أيضًا في كلام بعض العلماء بالحديث. وهو ما نقله رواة كثيرون - لا يمكن تواطؤهم على الكذب - عن مثلهم من أول الإسناد إلى آخره، فيحصل العلم الضروري بصدقهم، ويجب العمل به من غير بحث عن رجاله. وهؤلاء الرواة الكثيرون لا دليل على حصر عددهم، وزعم بعضهم أن بكون أقلهم عشرة، وقيل: أقلهم اثنا عشر، وقيل: عشرون، وقيل: أربعون، وقيل: سبعون، وقيل غير ذلك، واختار المؤلف الأول.
والصحيح أنه لا حد لذلك، وأن العبرة بما يقع في نفس السامع من صدق الخبر وعدم احتمال تواطئ هؤلاء الناقلين على الكذب، من ظروفهم وأحوالهم وكيفية نقلهم الخبر. وقد يطمئن السامع لرواية خمسة، ويقع في نفسه استحالة تواطئهم على الكذب، وقد لا يطمئن لرواية عشرة لملابسات أخرى.=

<<  <   >  >>