صَاغِرُونَ وَنُهِيَ عَنْ مُعَاهَدَتِهِمْ بِلَا جِزْيَةٍ، كَمَا كَانَ الْأَمْرُ أَوَّلًا، وَكَانَ (١) هَذَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَوْلَى أَنْ لَا يُهَادَنَ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ، بَلْ يُقَاتَلُ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَجُوسِ: " «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» " وَصَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَفِيهِمْ مَجُوسٌ وَاتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ (٢) وَسَائِرُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ الْأَمْرُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ يُقَاتِلُ الْكُفَّارَ وَيُهَادِنُهُمْ بِلَا جِزْيَةٍ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ قَبْلَ نُزُولِ بَرَاءَةَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ " بَرَاءَةُ " أَمَرَهُ فِيهَا بِنَبْذِ هَذِهِ الْعُهُودِ الْمُطْلَقَةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقَاتِلَ أَهْلَ الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، فَغَيْرُهُمْ أَوْلَى أَنْ يُقَاتَلُوا وَلَا يُعَاهَدُوا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} ، وَقَالَ:
(١) ن، س، ب: كَانَ(٢) فِي الْمُوَطَّأِ ١/٢٧٨ (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ جِزْيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ) فِي الْحَدِيثِ رَقْمِ ٤١ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ الْبَحْرَيْنِ وَأَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ فَارِسَ، وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَخَذَهَا مِنَ الْبَرْبَرِ. وَفِي حَدِيثِ رَقْمِ ٤٢ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَالَ: مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ " وَفِي الْبُخَارِيِّ ٤/٩٦ (كِتَابُ الْجِزْيَةِ، بَابُ الْجِزْيَةِ وَالْمُوَادَعَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ) أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَأْخُذِ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ. وَفِي نَفْسِ الصَّفْحَةِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute