الْوُجُوهِ، وَأَمَّا دَوَامُ الْفِعْلِ فَهُوَ أَيْضًا مِنَ الْكَمَالِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ إِذَا كَانَ صِفَةَ كَمَالٍ، فَدَوَامُهُ دَوَامُ الْكَمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صِفَةَ كَمَالٍ، لَمْ يَجِبْ دَوَامُهُ. فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنَ الْعَالَمِ قَدِيمًا مَعَهُ، وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
[وجه الارتباط بين الكلام في قدم العالم ومسألة الحكمة والتعليل]
وَإِنَّمَا [كَانَ] الْمَقْصُودُ [هُنَا] التَّنْبِيهُ (١) عَلَى مَآخِذِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَسْأَلَةِ التَّعْلِيلِ. فَالْمُجَوِّزُونَ لِلتَّعْلِيلِ يَقُولُونَ: الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَأَمَّا كَوْنُ الرَّبِّ لَمْ يَزَلْ مُعَطَّلًا عَنِ الْفِعْلِ ثُمَّ فَعَلَ، فَهَذَا لَيْسَ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي الْعَقْلِ (٢) مَا يُثْبِتُهُ، بَلْ كِلَاهُمَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهِ.
وَإِذَا عُرِفَ الْفَرْقُ بَيْنَ نَوْعِ الْحَوَادِثِ وَبَيْنَ أَعْيَانِهَا، وَعُلِمَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْمِلَلِ وَأَسَاطِينِ الْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِحُدُوثِ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنَ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، وَبَيْنَ قَوْلِ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِقِدَمِ الْأَفْلَاكِ وَالْعَنَاصِرِ، تَبَيَّنَ (٣) مَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ، وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ الْمَعَارِفِ وَأَعْلَى الْعُلُومِ، فَهَذَا جَوَابُ مَنْ يَقُولُ بِالتَّعْلِيلِ لِمَنِ احْتَجَّ عَلَيْهِ بِالتَّسَلْسُلِ فِي الْآثَارِ (٤) .
[حُجَّةُ الِاسْتِكْمَالِ]
وَأَمَّا حُجَّةُ الِاسْتِكْمَالِ (٥) فَقَالُوا: الْمُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ تَعَالَى مُفْتَقِرًا
(١) ن، م: وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ.(٢) ا، ب: فَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ وَلَا الْعَقْلِ.(٣) ا، ب: وَبَيْنَ.(٤) يَتَبَيَّنُ هُنَا أَنَّ كُلَّ مَا سَبَقَ مِنَ الِاسْتِطْرَادِ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ قِدَمِ الْعَالَمِ، إِنَّمَا كَانَ لِاتِّصَالِهِ بِمَسْأَلَةِ الْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ الَّتِي سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي ص ١٤١ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا.(٥) وَهِيَ الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي ص ١٤١.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.