وَقَدْ تَكَلَّمْتُ عَلَى ذَلِكَ، وَبَيَّنْتُ تَحْقِيقَ مَا قَالَهُ أَبُوحَامِدٍ [فِي ذَلِكَ] (١) مِنَ الصَّوَابِ الْمُوَافِقِ لِأُصُولِ الْإِسْلَامِ، وَخَطَأِ مَا خَالَفَهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، وَأَنَّ مَا قَالُوهُ مِنَ الْحَقِّ الْمُوَافِقِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا يُرَدُّ بَلْ يُقْبَلُ، وَمَا قَصَّرَ فِيهِ أَبُو حَامِدٍ مِنْ إِفْسَادِ أَقْوَالِهِمُ الْفَاسِدَةِ فَيُمْكِنُ رَدُّهُ بِطَرِيقٍ أُخْرَى يُعَانُ بِهَا أَبُو حَامِدٍ عَلَى قَصْدِهِ الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا وَأَمْثَالُهُ إِنَّمَا اسْتَطَالُوا عَلَيْهِ بِمَا وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أُصُولٍ فَاسِدَةٍ، وَبِمَا (٢) يُوجَدُ فِي كُتُبِهِ مِنَ الْكَلَامِ الْمُوَافِقِ لِأُصُولِهِمْ، وَجَعَلَ هَذَا وَأَمْثَالَهُ يُنْشِدُونَ فِيهِ (٣)
يَوْمًا يَمَانٍ إِذَا مَا جِئْتَ ذَا يَمَنٍ ... وَإِنْ لَقِيتَ مَعَدِّيًّا فَعَدْنَانِي (٤) وَلِهَذَا جَعَلُوا (٥) كَثِيرًا مِنْ كَلَامِهِ بَرْزَخًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ الْمَشَّائِينَ، فَالْمُسْلِمُ يَتَفَلْسَفُ بِهِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَشَّائِينَ تَفَلْسُفَ مُسْلِمٍ، وَالْفَيْلَسُوفُ يُسْلِمُ بِهِ إِسْلَامَ فَيْلَسُوفٍ، فَلَا يَكُونُ مُسْلِمًا مَحْضًا وَلَا فَيْلَسُوفًا مَحْضًا عَلَى طَرِيقَةِ الْمَشَّائِينَ.
وَأَمَّا نَفْيُ الْفَلْسَفَةِ مُطْلَقًا أَوْ إِثْبَاتُهَا فَلَا يُمْكِنُ، إِذْ لَيْسَ لِلْفَلَاسِفَةِ مَذْهَبٌ مُعَيَّنٌ يَنْصُرُونَهُ، وَلَا قَوْلٌ يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَالْمَعَادِ وَالنُّبُوَّاتِ وَالشَّرَائِعِ، بَلْ وَفِي الطَّبِيعِيَّاتِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ، بَلْ وَلَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَنْطِقِ، وَلَا يَتَّفِقُونَ إِلَّا عَلَى مَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ جَمِيعُ بَنِي آدَمَ مِنَ الْحِسِّيَّاتِ الْمُشَاهَدَةِ
(١) فِي ذَلِكَ: زِيَادَةٌ فِي (ا) ، (ب) .(٢) ا، ب: وَرُبَّمَا، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.(٣) م (فَقَطْ) : مِمَّا يُنْشِدُونَ فِيهِ.(٤) ا، ب: وَإِنْ أَتَيْتَ. وَالْبَيْتُ ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي فَصْلِ الْمَقَالِ، ص [٠ - ٩] ١، طَبْعَةُ جُوتْيِيهْ، الْجَزَائِرِ، ١٩٣٨ (الطَّبْعَةُ الثَّالِثَةُ) وَفِيهِ: إِذَا لَاقَيْتَ. مِنْ شِعْرِ عِمْرَانَ بْنِ حِطِّينَ وَهُوَ فِي الْكَامِلِ لِلْمُبَرِّدِ وَالشَّرِيشِيِّ فِي شَرْحِ الْمَقَامَاتِ.(٥) ن، م: جَعَلَ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute