وَأَمَّا فِعْلُ الْعَصْرِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ (١) ، فَلَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ قَطُّ لِغَيْرِ الْمَعْذُورِ، كَمَا لَمْ يُؤْذَنْ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. قَالَ هَؤُلَاءِ: وَالصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ وَاجِبَةٌ عَلَى أَيِّ حَالٍ بِتَرْكِ جَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ لِأَجْلِ الْوَقْتِ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْوَقْتِ بِالتَّيَمُّمِ، أَوْ بِلَا قِرَاءَةٍ، أَوْ بِلَا إِتْمَامِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، أَوْ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، أَوْ يُصَلِّي عُرْيَانًا، أَوْ كَيْفَمَا أَمْكَنَ وَجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْوَقْتِ مَعَ تَمَامِ الْأَفْعَالِ. وَهَذَا مِمَّا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعَامَّتُهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
فَعُلِمَ أَنَّ الْوَقْتَ مُقَدَّمٌ عَلَى جَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ. وَحِينَئِذٍ فَمَنْ صَلَّى فِي الْوَقْتِ بِلَا قِرَاءَةٍ، أَوْ عُرْيَانًا مُتَعَمِّدًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، إِذَا أُمِرَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْوَقْتِ بِقِرَاءَةٍ وَسُتْرَةٍ، كَانَ مَا أُمِرَ بِهِ دُونَ مَا فَعَلَهُ. وَلِهَذَا إِذَا لَمْ يُمْكِنْ إِلَّا أَحَدُهُمَا، وَجَبَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْوَقْتِ بِلَا قِرَاءَةٍ وَلَا سُتْرَةٍ، وَلَا يُؤَخِّرُهَا وَيُصَلِّي بَعْدَ الْوَقْتِ بِقِرَاءَةٍ وَسُتْرَةٍ.
فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ التَّفْوِيتَ (٢) مَا بَقِيَ اسْتِدْرَاكُهُ مُمْكِنًا، وَأَمَّا الْمَعْذُورُ فَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الْوَقْتَ فِي حَقِّهِ مَتَى أَمْكَنَهُ، فَمَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ أَوْ بَعْضَ وَاجِبَاتِهَا صَلَّاهَا مَتَى ذَكَرَهَا (٣) ، وَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَقْتُ فِي حَقِّهِ وَإِذَا قِيلَ: صَلَاتُهُ فِي الْوَقْتِ كَانَتْ أَكْمَلَ.
قِيلَ: نَعَمْ، لَكِنَّ تِلْكَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ لِعَجْزِهِ بِالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ إِذَا اسْتَيْقَظَ وَذَكَرَ، كَمَا نَقُولُ فِي الْحَائِضِ إِذَا طَهُرَتْ
(١) ح، ب: بَعْدَ الْغُرُوبِ.(٢) ح، ب: التَّوْقِيتَ.(٣) ن، م، و: مَتَى ذَكَرَ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute