وَأَمَّا الْبُرْهَانُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ: ٩١] فَإِنَّهُ (١) يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْقُدْرَةِ ; لِأَنَّهُمَا إِذَا كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْقُدْرَةِ، كَانَ مَفْعُولُ (٢) كُلٍّ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزًا عَنْ مَفْعُولِ الْآخَرِ، وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ، (٣) وَلِأَنَّهُمَا (٤) إِذَا كَانَا مُتَكَافِئَيْنِ فِي الْقُدْرَةِ لَمْ يَفْعَلَا شَيْئًا لَا حَالَ الِاتِّفَاقِ وَلَا حَالَ الِاخْتِلَافِ، سَوَاءٌ كَانَ الِاتِّفَاقُ لَازِمًا لَهُمَا أَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ هُوَ اللَّازِمُ، أَوْ جَازَ الِاتِّفَاقُ وَجَازَ الِاخْتِلَافُ.
لِأَنَّهُ إِذَا قُدِّرَ أَنَّ الِاتِّفَاقَ لَازِمٌ لَهُمَا فَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يُرِيدُ وَلَا يَفْعَلُ حَتَّى يُرِيدَ الْآخَرُ وَيَفْعَلَ، وَلَيْسَ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنْ تَقَدُّمِ الْآخَرِ؛ لِتَسَاوِيهِمَا، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَفْعَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ إِرَادَةَ هَذَا وَفِعْلَهُ مُقَارِنٌ لِإِرَادَةِ الْآخَرِ وَفِعْلِهِ، فَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُرِيدَ وَيَفْعَلَ إِلَّا مَعَ الْآخَرِ، فَتَكُونَ إِرَادَتُهُ وَفِعْلُهُ مَشْرُوطَةً بِإِرَادَةِ الْآخَرِ وَفِعْلِهِ، فَيَكُونُ بِدُونِ ذَلِكَ عَاجِزًا عَنِ الْإِرَادَةِ وَالْفِعْلِ، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَاجِزًا حَالَ الِانْفِرَادِ، وَيَمْتَنِعُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَصِيرَا قَادِرَيْنِ حَالَ الِاجْتِمَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَإِذَا (٥) كَانَ الِاخْتِلَافُ لَازِمًا لَهُمَا امْتَنَعَ مَعَ تَسَاوِيهِمَا أَنْ يَفْعَلَا شَيْئًا ; لِأَنَّ هَذَا يَمْنَعُ هَذَا وَهَذَا يَمْنَعُ هَذَا لِتَكَافُؤِ الْقُدْرَتَيْنِ، فَلَا يَفْعَلَانِ شَيْئًا.
وَأَيْضًا فَإِنَّ امْتِنَاعَ أَحَدِهِمَا مَشْرُوطٌ بِمَنْعِ الْآخَرِ، فَلَا يَكُونُ هَذَا مَمْنُوعًا
(١) أ: فَإِنَّمَا، ب، ع: فَإِنَّهُمَا.(٢) ن: فِعْلُ.(٣) عِبَارَةُ " كَمَا تَقَدَّمَ " سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .(٤) ب: لِأَنَّهُمَا.(٥) ن، ع: وَإِنْ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute