وَأَيْضًا فَالِاسْتِطَاعَةُ الْمَشْرُوطَةُ فِي الشَّرْعِ أَخَصُّ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي يَمْتَنِعُ (١) الْفِعْلُ مَعَ عَدَمِهَا، فَإِنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الشَّرْعِيَّةَ قَدْ تَكُونُ مِمَّا يُتَصَوَّرُ الْفِعْلُ مَعَ عَدَمِهَا وَإِنْ لَمْ يُعْجَزْ عَنْهُ (٢) ، فَالشَّارِعُ يُيَسِّرُ (٣) عَلَى عِبَادِهِ، وَيُرِيدُ بِهِمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِهِمُ الْعُسْرَ، وَمَا جَعَلَ عَلَيْهِمْ (٤) فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.
وَالْمَرِيضُ قَدْ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ مَعَ زِيَادَةِ مَرَضِهِ وَتَأَخُّرِ بُرْئِهِ، فَهَذَا فِي الشَّرْعِ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لِأَجْلِ حُصُولِ الضَّرَرِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يُسَمِّيهِ [بَعْضُ] النَّاسِ مُسْتَطِيعًا (٥) .
فَالشَّارِعُ لَا يَنْظُرُ فِي الِاسْتِطَاعَةِ الشَّرْعِيَّةِ إِلَى مُجَرَّدِ إِمْكَانِ الْفِعْلِ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى لَوَازِمِ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ مُمْكِنًا مَعَ الْمَفْسَدَةِ الرَّاجِحَةِ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ اسْتِطَاعَةٌ شَرْعِيَّةٌ، كَالَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يَحُجَّ مَعَ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ يُصَلِّيَ قَائِمًا مَعَ زِيَادَةِ مَرَضِهِ، أَوْ يَصُومَ الشَّهْرَيْنِ مَعَ انْقِطَاعِهِ عَنْ مَعِيشَتِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ (٦) فَإِنْ كَانَ الشَّارِعُ قَدِ اعْتَبَرَ فِي الْمُكْنَةِ عَدَمَ الْمَفْسَدَةِ الرَّاجِحَةِ، فَكَيْفَ يُكَلِّفُ مَعَ الْعَجْزِ؟ ! .
وَلَكِنَّ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةَ مَعَ بَقَائِهَا إِلَى حِينِ الْفِعْلِ لَا تَكْفِي فِي وُجُودِ الْفِعْلِ، وَلَوْ كَانَتْ كَافِيَةً لَكَانَ التَّارِكُ كَالْفَاعِلِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إِحْدَاثِ إِعَانَةٍ
(١) ن، م: تَمْنَعُ.(٢) ب، أ: قَدْ تَكُونُ مَا يُتَصَوَّرُ بِالْعَقْلِ مَعَ عَدَمِهَا فَإِنْ لَمْ يُعْجَزْ عَنْهُ ; ع: قَدْ تَكُونُ مِمَّا يُتَصَوَّرُ بِالْفِعْلِ مَعَ عَدَمِهَا وَإِنْ لَمْ يُعْجَزْ عَنْهُ ; ن، م: قَدْ تَكُونُ مَا يُتَصَوَّرُ الْفِعْلُ مَعَ عَدَمِهَا وَإِنْ لَمْ يُعْجَزْ عَنْهُ. وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتَهُ.(٣) ن، م: فَإِنَّ الشَّارِعَ مُيَسِّرٌ.(٤) أ، ب، ع: عَلَيْكُمْ.(٥) ن، م: وَإِنْ كَانَ قَدْ يُسَمِّيهِ النَّاسُ مُسْتَطِيعًا ; ع: وَإِنْ كَانَ يُسَمِّيهِ بَعْضُ النَّاسِ مُطِيعًا.(٦) وَنَحْوِ ذَلِكَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، (أ) .
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute