لم يكن جماعًا للدنيا، بل كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكان - صلى الله عليه وسلم - يدخر نفقة أهله سنة، ومع ذلك ينفق منها النفقة الكثيرة حتى تنتهي قبل السنة.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يقتسم ورثتي دينارًا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومُؤنة عاملي فهو صدقة"(١). وعن عائشة - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا نورث ما تركناه صدقة"(٢).
وروى البخاري بسنده عن عروة، عن عائشة أن فاطمة والعباس - رضي الله عنهما - أتيا أبا بكر - رضي الله عنه - يلتمسان ميراثهما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهما حينئذٍ يطلبان أرضيهما من فَدَكَ وسهمهما من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال"(٣).
الوجه الخامس: ذكر الحافظ هذا الحديث في هذا الباب للاستدلال به على أن أم الولد تعتق بموت سيدها، بناءً على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توفي وخلف مارية القبطية أم إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - التي توفيت في أيام عمر - رضي الله عنه -، فدل على أنها عتقت بوفاته - صلى الله عليه وسلم -، وهذا ليس بصريح؛ فإنه يحتمل أنه - صلى الله عليه وسلم - أعتقها في حياته بعد ما ولدت إبراهيم، لكن تبقى دلالة الحديث على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يحرص على عتق رقيقه وتحريرهم، وأن جميع ما ذكر في الأخبار من أرقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إما أن يكون قد مات قبل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإما أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أعتقه، والله تعالى أعلم.