بل يرى ابن حزم أن حكم القاضي بعلمه من أقوى ما يحكم به (١)، واختار هذا القول الشوكاني ونصره في رسالة مستقلة (٢)، حتى إنه لم يذكر خلاف العلماء وأدلتهم، مما يدل على أنه في مجال ترسيخ مبدأ جواز حكم القاضي بعلمه، لا في مجال البحث العلمي، كما هو في كتابه "نيل الأوطار"(٣).
والقول الثالث: ما كان من حقوق الله تعالى كالحدود فإنه لا يحكم بعلمه، كما لو رأى رجلًا يزني بامرأة؛ لأن حقوق الله تعالى مبنية على العفو والمسامحة، وما كان من حقوق الآدميين وهي الأموال، فما علمه قبل ولايته لم يحكم به؛ لأنه بمنزلة ما سمعه من الشهود وهو غير حاكم، وما علمه في ولايته حكم به، وهذا قول أبي حنيفة (٤)، وذكره ابن الملقن قولًا للشافعي (٥)، وهو ظاهر اختيار البخاري، فإنه بوب على حديث عائشة في قصة هند بقوله:(باب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس إذا لم يَخَفِ الظنون والتهمة)(٦).
والقول الأول أرجح لقوة مأخده؛ ولأن تجويز القضاء بعلمه يفضي إلى تهمة القاضي والحكم بما يشتهي ثم يحيله على علمه، والقاضي أحوج ما يكون إلى نفي التهمة عن نفسه -ولا سيما في هذا الزمان- وقد قال الشافعي:(لولا قضاة السوء لقلت إن للحاكم أن يحكم بعلمه)(٧)، وإذا كان في هذا الزمن الأول فما الظن بهذا الزمان؟!
وقد أفتى متأخرو الحنفية بعدم حكم القاضي بعلمه لفساد الزمان (٨).
وقد استثنى الفقهاء ثلاث مسائل يجوز فيها للقاضي أن يحكم بعلمه: