وحجة هؤلاء: ظاهر القرآن؛ لأن الله تعالى قال:{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ}[التحريم: ٢]، فذكر تحلة الأيمان -ومعناها: تحليلها بالكفارة- عقب تحريم الحلال، و (ما) في الآية من صيغ العموم.
ويدل على ذلك رواية مسلم التي ذكر الحافظ؛ لأنها مفسرة لرواية البخاري، ولعل هذا غرض الحافظ من ذكرها.
ويكون معنى قوله:(ليس بشيء) أي: لا يكون تحريمًا وليس بطلاق، لا أنه لا حكم له أصلًا، كما قال ذلك جماعة من السلف، وهو قول الظاهرية (١)؛ لأن ابن عباس - رضي الله عنهما - استدل على أن التلفظ بذلك يمين يكفرها المتكلم بقوله تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}[الأحزاب: ٢١] يشير بذلك إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)} [التحريم: ١ - ٢].
وقد وقع الخلاف في هذه الآية، هل المراد بها تحريم العسل الذي شربه النبي - صلى الله عليه وسلم - عند زوجته زينب -رضي الله عنها-، فإن في آخره:(ولن أعود له، وقد حلفت)، أو تحريم الجارية؟ فعلى القول بأن المراد: تحريم الجارية -وهو الراجح (٢) - يتم الاستدلال بالآية، وقد روى النسائي والحاكم عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة - رضي الله عنهما - حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله عزَّ وجلَّ:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ} إلى آخر الآية (٣).
(١) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (٦/ ٤٠٢)، "مصنف ابن أبي شيبة" (٥/ ٧٤)، "الاستذكار" (١٧/ ٤٥)، "المحلى" (١٠/ ١٢٤). (٢) انظر: "المحرر في أسباب نزول القرآن" (٢/ ١٠٢٧ - ١٠٣٨). (٣) "سنن النسائي" (٧/ ٧١)، "المستدرك" (٢/ ٤٩٣) قال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، وقد صححه الحافظ في "فتح الباري" (٩/ ٣٧١) وقال: (هذا أصح طرق هذا السبب)، وللحديث طرق أخرى عن ابن عمر وعائشة وغيرهما، وبعض هذه الطرق أسانيدها صحيحة، ولما ذكرها الحافظ في "فتح الباري" (٨/ ٦٥٧) قال: (وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا).