° الوجه الثالث: دلَّ حديث جابر - رضي الله عنه - على جواز بيع أمهات الأولاد وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم ذلك ويقرهم عليه، وهذا القول روي عن علي وابن عباس وابن الزبير - رضي الله عنهم - (١)، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن عقيل، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وبه قال داود الظاهري، وقتادة، وجماعة آخرين (٣).
وذكر بعض العلماء أن حديث جابر - رضي الله عنه - غير ناهض على الاستدلال به على الجواز لأمرين:
الأول: أن الحافظ البيهقي قال: (ليس في شيء من هذه الأحاديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم بذلك وأقرهم عليه)(٤)، وهذا فيه نظر؛ لما تقدم.
الثاني: أن قوله: (لا نرى بذلك بأسًا) قد ثبت بالنون التي للجماعة، ولو كان بالياء التحتية (لا يَرى) لكان فيه دلالة على التقرير.
قالوا: وأما رواية: (بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، فلما كان عمر انتهينا) فليس بدليل على النسخ؛ لأن النسخ إنما يكون في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما معناه -والله أعلم-: أن البيع كان مباحًا، ثم نهى عنه في آخر حياته، ولم يظهر النهي لمن باعها، ولا علم أبو بكر - رضي الله عنه - عمن باع في زمانه لقصر مدته، واشتغاله بأهم أمور الدين، فلما ظهر ذلك في زمان عمر - رضي الله عنه - نهاهم، وأظهر النهي والمنع (٥).
والقول بجواز البيع فيه وجاهة، لعمل الصحابة -رضي الله عنهم-، وقد يستدل على ذلك بإقرار الله تعالى لهم، وقال الشوكاني:(الأحوط اجتناب البيع؛ لأن أقل أحواله أن يكون من الأمور المشتبهة، والمؤمنون وقّافون عندها، كما أخبرنا بذلك الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -، والله أعلم)(٦).