تصوم؟ فغضب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما رأى عمر رضي الله عنه غضبه، قال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيًّا، نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، فجعل عمر يردد هذا الكلام حتى سكن غضبه، فقال عمر: يا رسول الله كيف بمن صام الدهر كله؟ قال:«لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ» … ) الحديث.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله:(لا صام من صام الأبد) الأبد: بفتح الهمزة والباء، هو الدهر الطويل الذي ليس بمحدود. وقد اختلف العلماء في معنى هذه الجملة على قولين:
الأول: أنه دعاء على الصائم الذي صام الدهر، زجراً له عن مواصلة الصيام، فتكون الجملة خبرية لفظاً، إنشائية معنى، لقصد الدعاء.
الثاني: أنه إخبار لا دعاء. ومعنى (لا صام)؛ أي: أنه لا يجد مشقة في الصيام، لكونه اعتاده حتى خفَّ عليه، فلم يفتقر إلى الصبر على الجهد الذي يتعلق به الثواب، فكأنه لم يصم، ولم تحصل له فضيلة الصيام.
قوله:(لا صام ولا أفطر) قيل: معناه الدعاء، كما تقدم. وقيل: معناه الإخبار.
والمعنى: أنه لا صام فحصل أجر الصيام؛ لأن صيامه لم يكن بأمر الشرع، ولا أفطر حيث إنه لم يأكل ولم يشرب كفعل المفطرين.
الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن صيام الدهر، والمراد به: سرد الصوم متتابعاً في جميع الأيام، باستثناء الأيام التي نهي عن صيامها، وهي العيدان والتشريق. وقد حمله جماعة على التحريم، منهم ابن حزم فقال:(يحرم صوم الدهر)(١)، كما استدلوا بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:«مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ هَكَذَا» وقبض كفه (٢).
(١) "المحلى" (٧/ ١٢). (٢) أخرجه أحمد (٣٢/ ٤٨٤)، وابن أبي شيبة (٣/ ٧٨) وغيرهما. وهو حديث مختلف في رفعه ووقفه، والظاهر أن الموقوف له حكم الرفع.