للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أعيا دواؤه كلُّ طبيب، ونسي به المرء وهو حبيب، ونسخة ما كتبته:

هل في البرية بالمروءة معتجر … أم في البرية في البلية مزدجر

هيهات قد عرف الأنام جميعهم … وكفى اختبارهم بعين المختبر

يهوى الفتى طول البقاء وإنما … يهوى الفتى كبر البلاء إذا كبر

يا للعليل وقد تطاول ليله … والفجر دملة له لم تنفجر

طال الدجى وبنات نعش وقف … لا شك قد مات الصباح وقد قبر

والمبتلى وكفيت سيء حالِهِ … ووقيته ما مات لكن قد سهر

أنبيك من خبري الذي يبكى له … إني أقضي الليل في حال ممر

ماذقت طعمًا للسهاد وللكرى … ما ذاك إلا أنني لا أستقر

وكأنني سلسلت في قيد الدّجى … وبقيتُ منتظرًا لمن لا ينتظر

وكأنني قد خُضتُ لجًا مائجًا … أو دست بالقدمين جمرًا يستعر

وتورمت قدماي حتى كانتا … مثل الطبول بطول ضرب مستمر

وتغيرت لونًا فكانت كالعدى … زرقًا ممرضة الحشا لا تعتذر

وكأنما الضربان في شريانها … ضرب المعاول تحت نقب قد حُفر

والخرقة البيضاء فوق لهيبه … مثل السحابة فوق برق مستعر

وجع لعمرك ما ظننتُ بأنّه … إلا من الطاعون سيل منحدر

يا للرجال لمس داء مصعب … لو كنت صخرًا كنت منه أنفطر

وجع المفاصل ما تبقى مفصل … إلا ومنه في سقم مستتر

لكنه وعدمته شيء به … أصبحت للموت المعظم أحتقر

فأسرع أخي إلى زيارة مدنف … لولاك ثاني طيفه لم يستزر

فأجابني بقوله:

بالعين أفديها وإني مقتصر … قدمًا لوطئتها المعالي تفتقر

قدمًا تقاس بها الثريا في العلى … فيها ثرى يمشي عليها يفتخر

قدمًا مباركة المساعي في الورى … لم تسع إلا في ثواب يُدخر

لا تذكر الضربان في ضربانها … وارحم قلوبًا أنت فيها مستقر

واكفف عن السريان في شريانها … لا تشعر الألباب جمرًا يستعر

لا تسمع الشكوى الزمان فإنّه … يستعدب الألفاظ منك فيستمر

شكواك برقُ لهيبها رعد به … سحب المدامع تستهل وتنهمر

ولئن شكوت فكم أزلت شكايةً … وحلاوة الأيام يعقبها الصبر

<<  <  ج: ص:  >  >>