وعن حوزتك دفعًا، وما وجدت به مما يجده الأب بابنه، وبفقده الأصل من غصنه، وقد علمت أن الدنيا غرور، وأن الأقصى من السرور بها زور، ومثلك على علو قدرك في الفضل، ومعرفتك بأحوال الأمم الأولى سلفوا قبل، من يصبر عند الصدمة الأولى، والحملة التي لا تملك في مدافعتها قوة ولا تستطيع حولا، وإنما هي عارية استردها معيرها، وموهبة استرجعها واهبها، حيث تم سرورها فخفض عليك هذه الأحزان، وهون عليك يا فلان. وانزل ولدك منزلة غائب. إن لم يقدم عليك قدمت عليه. ومسافر تقدم أمامك وأنت واصل إليه، ولا توهن هذه الرزية جلدك، ولا تنقص من الأجر ما أمضت عليك مددك، وكنت قد عزمت من أوّل ما أتاني خبر هذا النبأ الأليم والخطب العظيم أن أعمل إليك، وأسليك كما يسلى الغير، فرأيتك أكمل فضلًا، وأجمل في البليات حملًا، فحططت رحلي، ولزمت أهلي، اكتفاء بفضلك الذي عُرف، وتسليمك الذي هو فوق ما أصف.
ومنهم:
[٤٧] أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي، التيمي، البكري. ابن الجوزي (١)
بحر لا يغيض معينه، ودر لا يقوم ثمينه، اتخذ الكلام سبلًا، وسلك طرقه ذللًا، فخرج منه شراب مختلف ألوانه، مؤتلف جمانه، أكثر به الوعظ على رؤوس الأشهاد، وآثر اللفظ منه حتى في الجماد، وكان مجلسه ربما تهالكت فيه الأمم، وتهتكت الحرم، ولم يسع الفناء حضاره. ولا الفضاء سماعه له ونظاره، وربما حضر الخليفة من وراء ستاره، وشدّت إليه الركاب سيارة، وكانت مواعيده مواعيد الدموع أن تُصبّ، وأوقاته أوقات القبول أن تهب. وأسلم على يده خلق من الذمة، وتاب أمم من عصاة الأمة، وله التصانيف التي جرت مجرى الأمثال، وسرت سري الهلال، ولم يبق متكلّم على منبر حتى أمتار من نضارها ولا متقدم في محضر حتى امتاز باستحضارها.
(١) عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي التيمي البكري، ولد ببغداد سنة ٥٠٨ أو ٥١٠ هـ. وتوفي بها سنة ٥٩٧ هـ. ومؤلفاته كثيرة جدًا. انظر: وفيات الأعيان ٣/ ١٤٠ والبداية والنهاية ١٣/ ٢٨ وذيل الروضتين ٢١ ومرآة الزمان ٨/ ٤٨١ لسبطه ابن قراونلي وفيه أنه عبد الرحمن بن محمد بن علي، وسير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٦٥ والتكملة لوفيات النقلة ١/ ٣٩٤ والعسجد المسبوك ص ٢٦٨ والأعلام ٣/ ٣١٦ ولعبد الرحمن العلوجي كتاب جمع فيه مؤلفاته.