صاحب النسب القصير، والحسب المنير، عمّ السفاح والمنصور، وبه ثم غالب تلك الأمور، وكان جناحهما المكسور، المهزور، وسماحهما المحفور، وسمامها الذعاف، وشهامهما إذا عدّدت أجيال عبد مناف، وذكره الجاحظ، وقال: كان من أنطق الناس وأجودهم ارتجالًا. ويقال إنه لم يتقدم في تحبير خطبة قط.
وخطب بمكة فقال (٢):
شكرًا شكرًا، أما والله ما خرجنا لنحفر بكم نهرًا، ولا لنبني فيكم قصرًا. أظنّ عدوّ الله أن لن يظفر به، ويجرّه رسنه إلى سوء منقلبه، أغرّه إن أرخى زمن له من زمامه حتى عثر في فضل خطامه (٣)، فالآن عاد الأمر في نصابه وطلعت الشمس من مطلعها، والآن أخذ القوس باريها، وعادت النبل إلى النزعة، ورجع الحق إلى مستقره في أهل بيت نبيكم، بيت الرأفة والرحمة.
قلت (٤): ولما ارتج على السفاح يوم مبايعته بالكوفة، كان معه في تلك الساعة المخوفة، كان معه على المنبر دونه بمرقاة فحمل عنه عبء الخطبة وتلقاه، وما بلع ريقه ولا استقال، حتى خطب فكان مما قال:
أحرز إنسان رأسه، اتعظ امرؤ بغيره، اعتبر عاقل قبل أن يُعتبر به، فأمسك الفضل من قوله، وقدم الفضل من عمله، ثم أخذ بقائم سيفه فقال: إن بكم داء هذا دواؤه، وأنا زعيم لكن بشفائه، وما بعد الوعيد (إلا)(٥) الإيقاع، يا أيها الناس إن أمير المؤمنين كره (٦) أن يتقدم قوله فعله. ولا يرى المقالة عليكم بأحق من تشقيق المقالة (٧)، وحسبكم بكتاب الله تمثيلًا (٨) فيكم وابن عم رسول الله خليفة عليكم، والله قسمًا برًا لا أريد إلا
(١) داود بن علي بن عبد الله بن العباس، الهاشمي، من رجالات بني هاشم، وفصحائهم وشجعانهم، ولي للسفاح مكة والمدينة، وتوفي سنة ١٣٣ هـ.) انظر: المعارف ٣٧٤ والبيان والتبيين ١/ ٣٣٩ والوافي بالوفيات ١٣/ ٤٧٨ وميزان الاعتدال ٢/ ١٣. (٢) العقد الفريد ٤/ ١٦٣. البيان والتبيين ١/ ٣٣٢ وتاريخ الطبري ٧/ ٤٢٦ وفيه أنه قالها بالكوفة. والإخبار الموفقيات ١٨٨. (٣) في العقد: إذ مد له في عنانه، حتى عثر في فضل زمانه، وفي البيان والتبيين: أرخي له من زمامه؟ (٤) الخبر والخطبة في عيون الأخبار ٢/ ٢٥٢، وبعضها ورد في العقد الفريد ٤/ ١٦٠ منسوبًا إلى المنصور. (٥) ساقطة في الأصل. (٦) في العيون: يكره. (٧) في عيوان الأخبار: ولأثره الفعال عليكم، أجدى من تشقيق المقال. (٨) في العيوان: ممتثلًا.