ومنابت شيح. قال: فأرض كذا؟ قال: هضاب حمر، وتراب عفر، قال: فأرض كذا؟ قال: جبال شامخة، وأودية راسخة، قال: فأرض كذا؟ قال: أرض مراحه، كأنها بطن راحة، وحشها سارح، وطيرها سانح، وحوتها في مائه سابح، ماؤها عذب وفناؤها رحب، وجوها رطب، تبرز شمسها نقية، وتطلع نجومها درية، ولم يزل الرشيد حتى أتى منه على ما أراد، ثم قال: يا عم، أنت شيخنا وخطيبنا، بلسانك ننطق وبنوئك نغدق، فقال له: والله لأنت يا أمير المؤمنين بهذا القول أولى مني بما قلت في، فأبقاك الله بقاء تلبس جدته ويستطيب عمره قال: وأنت يا عم، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم، قال: استعن بها في بعض تكاليفك. ومن شعره، وقد رأى ما أحدث أحداث بني العباس:
لبسنا المجد عن إباء صدقٍ … أسأنا في ديارهم الصنيعا
إذا الحسب الكريم تواكلته … ولاة السوء أوشك أن يضيعا
ومنهم:
[٤١] الفضل بن عيسى الرقاشي (١)
فضل محنه، وأصل فيه فتنة، وعلى هذا كان ذا لسان أسرع من السنان، وبيان أطوع من البنان، إلى تشقيق الكلام، وتحقيق كالكلام.
قال الجاحظ (٢): كان من أخطب الناس، وكان متكلمًا، قاصًا مجيدًا، وكان يجلس إليه (٣) عمرو بن عبيد، ويكثر منه هو كثير من الفقهاء، وهو رئيس الفضلية (٤)، وإليه ينسبون. وكان لا يركب إلا الحمير.
ونظر مرة إلى حمار فقال:
قعدة نبي وبذلة (جبار)(٥) وعليكم بالصبر، فإنه سبب الأجر، وموقف النصر، واعلموا أن النعم لها مثل نفار الإبل، وأنها لا تتألف إلا بأداء حق الله فيها، فأدوا إلى الله حقه، وواسوا بفضول أموالكم خلقه، واذكروا الفقر في الغنى، والضيق في السعة،
(١) الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي، الواعظ، البصري، من رؤوس المعتزلة. توفي نحو ١٤٠ هـ. ذكره الجاحظ في الخطباء الفصحاء. البيان والتبيين ١/ ٢٩٠ و ٣٠٦ وتهذيب التهذيب ٨/ ٢٨٣ والأعلام ٥/ ١٥١. (٢) البيان والتبيين ١/ ٣٠٦. (٣) الأصل: إلى، والتصويب عن البيان والتبيين. (٤) الفضلية: طائفة من المعتزلة، تنتسب إلى الفضل الرقاشي، وانظر: مفاتيح العلوم ١٩. (٥) كلمة جبار ليست في الأصل، وأثبتها عن البيان والتبيين، وما بعده لم يرد فيه.