للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[٤٥] خطيب الخطباء، أبو يحيى عبد الرحيم بن إسماعيل ابن نباتة (١) التميمي (٢) الفارقي

تكفيه خطبة المنام، ورتبة الخطاب النبوي دون الأنام، وكان واسع المعرفة باللغة، أي قالب شاء أبرز المعنى وأفرغه ذلّل رقاب البلاغة واقتادها، وسهل صعاب البلاغة واعتادها، وولع بالترصيع، وذهب خطبه بما لا قدر عليه صاحب بديع، وهي اليوم لا يعلو ذرى المنابر أبلغ من خطبها، ولا يعلق القلوب مع ما فيها من لطائف استعارات، وطرائف عبارات تسمع الرجل الأصم، وتحرّك الجبل الأشم، وكل الخطباء عليه عوله، ولديه لا تجول معه في ميدان جولة، ولولا الاضطرار إلى إثبات بعض خطبه، ولم أجد له سواها ما يقف النظر به، لما أثبت شيئًا من ديوانه، لمسيره في الأقطار من شهرته التي هي السبب في عدم الإقصار.

ومنه قوله:

أما آن لأهل الغفلة أن يستيقظوا، أما حان لأبناء الغفلة أن يتعظوا، أما أزف لأولي العقول أن يتفكروا. أما ردف لذوي التجارب أن يعتبروا، لقد صدقكم الموت عن الخبر. وأراكم تصاريف العبر. فما للقلوب لا تنصدع خشوعًا وما للعيون لا تجري بدل الدموع نجيعًا، وكأنكم الساعة وقد رجف زلزالها واشمخر وبالها، واقمطر نكالها.

ومنه قوله:

لقد علت على قلوبكم الطبع فتملكها، واستحوذ على نفوسكم الطمع فأهلكها، فلا الوعظ يشفي منكم غليلًا، ولا الإنذار يجد إلى قلوبكم سبيلا، فيا عجبًا لغفلة مطلوب لا بد من إدراكه، وارحمتا لمغتر بالسلامة لا ريب في هلاكه، ألا أذن تسمع، ألا قلب يخشع، ألا عين تدمع، ألا هارب إلى الله يفزع، ألا نادم مقلع ألا مشمر مزمع أتظنون أنكم للدنيا عمّار، أم تحسبون أنها لكم دار.


(١) عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل ابن نباته الفارقي، أبو يحيى. ولد في ميافارقين ونسب إليها وسكن حلب فكان خطيبها، واجتمع بالمتنبي في خدمة سيف الدولة الحمداني، توفي بحلب سوة ٣٧٤ هـ. وله ديوان خطب مطبوع.
انظر: وفيات الأعيان ٣/ ١٥٦ والعبر ٢/ ٣٦٧ والشذرات ٣/ ٨٣ وسير أعلام النبلاء ١٦/ ٣٢١ وبروكلمان ٣/ ١٠٨ والوافي الوفيات ١٨/ ٣٨٨ والأعلام ٣/ ٣٤٧.
(٢) كذا نسبه المؤلف، وفي الوفيات الحذاقي، وحذاقة بطن من قضاعة.

<<  <  ج: ص:  >  >>