وأما من بمصر من الخطباء الفصاح الأطباء للقلوب المرضي الصحاح، فقد كان في المتأخرين منهم من لم تحط مواعظهم مواضعها، ولا حلّت كلمتهم من الفصاحة جوامعها، بما هو أنفذ في القلوب من الرماح، وأنقى للسنة من الصباح، تتصرف كما لعب النسيم بشمائل السكران، وتلطف كما أمضى الشفيق إلى تنبيه الوسنان، وسأذكر منهم من لم ينم في مرقد الخمول ولا قعد، وقد تقدمت أوائل الحمول، بل تسلم للصلوات زمامًا، وتقدم في المحراب إمام، وتكلّم على رؤوس الأشهاد، بما قدر. وإن تكلّموا، أو أم بالناس فصلو خلفه وسلّموا.
ومنهم:
[١] تقي الدين أبو الخير صالح (١)
خطيب قوص المصيب فكره فيما يغوص، كانت تشدّ إليه الركائب الخوص، وتعقد به النواظر كأنها الحوص، وتأخذ منه القلوب بحظ غير منقوص، ونصح عام غير مخصوص، قائل مكثار، وقابل أن يسلم جواده من عثار. كان كما نعت وسمّى، تقيًا صالحًا. إذا خطب خلته في أفق المنبر بدرًا لائحًا، وخطبه ذات خطب عظيم، وحب لثمرات طلعها هضيم، لا عيب فيها إلا أن عصرها لم يتقدم قليلًا، وينسب إلى من تقدم قيلا، سمعت منها ما ملأ أذني، وملء قراعه اليلرني (٢)، مما سار سائرها، فطار طائرها، ودارت في الأفلاك المحاريب دوائرها.
ومنه قوله:
فيا سالكًا غير سواء السبيل، وهالكًا وقد وضح شفاء الغليل، تاركًا للتزوّد وهو
(١) صالح بن الحسين بن طلحة بن الحسين بن محمد، القاضي، تقي الدين. أبو التقي، الهاشمي الجعفري الوينبي، ولد سنة ٥٨١ هـ، وسمع، وحدث، وولى قضاء قوص، وكان أديبًا فقيهًا له خطب ونظم ونثر وتصانيف. توفي سنة ٦٦٨ هـ. انظر: الوافي بالوفيات ١٦/ ٢٥٦، وتاريخ الإسلام للذهبي وذيل مرآة الزمان ٢/ ٤٣٨. (٢) كذا في الأصل.