للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يرحل عن قليل. إلى كم تقاتل الحقوق بالعقوق، وتعامل الخالق بدون معاملة المخلوق؟ أجعلت ربك أهون الناظرين، أظننته أصعب الحاضرين، حاشاه حاشاه. بل من سواه ترجوه وتخشاه، فاتق الله وخف شدّة بطشه، وارهب غضبًا لا يحمل عسرة حمله حملة عرشه. وعظم الله تعظيمًا بجلاله، وقدم حقه تقديمًا يقيم بشكر نواله، وكن من الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. وإذا جنّ عليهم الليل تتجافى جنوبهم، وابذل من الطاعة ما في وسعك من الاستطاعة وصابر القناعة، فالشجاعة صبر ساعة، واذكر ما ستقدم عليه، وادخر لآخرتك ما أنت فقير إليه، وكن من ربّك على وجل، وعاجل الأجل، بقطع العلق والعلل. وعاقب الأمل الكاذب بصادق العمل، واسع لنفسك، ودع عسى فسوف ولعل، وبادر غروب شمسك، فقد جنحت إلى الطفل، ومهد لرمسك فكأنك بساكن الجسد وقد رحل، وكأنك بما كان لم يكن وبما نزل لم يزل.

ومنه قوله:

مما اغتباطك بدنيا ذات معائب قد أشابت الأكباد والذوائب، بكثرة الشوائب، فحطمت الممالك والدول، وطحطحت الأواخر الأول، ونكست الرايات والبنود، وكنست الجموع والجنود، هزمت الخميس والعرمرم، وحرمت الخميس والمعظم، فاستبدلوا بالمهود والهمود، وتعرضوا بالودود الدود، وتصمخ الصنديد بالصديد، وتعفر الصيب البعيد في الصعيد، فصرف الله عن مدافعة المنون يد قصير وكسر كسرى، ولم ينحر وينصر، وأسرت الأساورة، ومن يفك أسيرها بعد أن يؤسر، وتتبعت التبايعة فأتت على البغاث ومن استبشر، أسكنت الإسكندر من الردى دارًا. وأدارت دائرة الحمام قبله على دارا (١)، وجردت من الممالك يزردجر والأثيم (٢)، وجرعت سابور ذا الأكتاف (٣) السم الزعاف الأليم، وأطافت طائف الحمام على ملوك الطوائف، وابتزت من بني الأهرام التليد والطارف، فأي عز ما هدمته، وأي حرز ما هدمته، وأي دمع ما رقرقته، وأي جمع ما فرقته، وأي بعل ما فركته، وأي دم ما سفكته، وكأن قد فركتك كفركهم، وتركتك كتركهم. ونظمتك في سلكهم، وأسلمتك إلى هلكهم، واضجعتك في بعض تلك البطاح متوسعًا أعمالك القباح.


(١) يريد به الملك الفارسي دارا بن دار، قتله الإسكندر (انظر سني ملوك الأرض والأنبياء ص ٣٨).
(٢) رد به بزدجرد بن بهرام الاثيم، ويقال له المجرم والفظ أيضًا، انظر سني ملوك الأرض ص ٤٩.
(٣) سابور أوشابور: أسماه العرب ذا الأكتاف لأنه لما غزا العرب كان ينقب أكتافهم، (انظر سني ملوك الأرض ص ٤٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>