ابن آدم، كيف لا تأْنَفُ لنفسك أيها اللبيب من مواقف الملام والتثريب؟ وكيف لا تتصرف بأريك المصيب لتخلص من الخُطَبِ العَصِيبِ؟ وعلام تقتَرف ما تحرم به وتجنب وتنحرف عن مراقبة العليم الرقيب؟ ولم تنصرف عن الكرامة والتقريب بأسباب الإهانة والتعذيب؟ متى تنصف وتَزدَجِر وتنيب، وتأخذ من الآخرة بحظ ونصيب؟ أما تعرف ذلك اليوم المهيب إذ الوليد يهرم ويشيب؟
ومنهم:
[[٤] القاضي جمال الدين الغزاوي]
مصرف حكم وقضاء، ومشرف إيقاف وإمضاء، يرقى في درج الفقهاء مصعدًا، ودنا من منهج الانتهاء مصعدا. وأهله من غزة مولد الإمام الشافعي الذي به ولد وعذب منه منهله وورد، وكان قد كتب الحكم ووفى الشروط، وتدفق منه بحر ممتد الشطوط، وخطب ببعض الجوامع وخلب كل المسامع، وأعاد العيدان أغصانا، والأعلام خرصانا، ما علق بالقلوب أرسانا، وأعلم أن للمنابر فرسانا، وولى الأوقاف فأصبحت جارية على المنهج القويم، والمبهج القديم، وله فضائل مسح جناحها وأراشها، وسفح ثجاجها ورشاشها، فعذب مصوبة، ربوة فضل ذات قرار ومعين، وليال مثل نهار مبين.
ومن كلامه قوله:
لم يضرب الأمثال إلا لتفكروا، ولم يفسح لكم في الآجال إلا لتذكروا. تنفقون الأعمال في اللهو واللعب، وتثقون بالمنى، وأكثرها بل كلها زور وكذب، لم يبق إلا أن يدهم الأجل، ويأتي وعد الله على عجل، أفتطمعون أن تسالمكم الأيام، أم تأمنون هجوم الحمام، كلا والله إن النفس لمعدود، وإن الأجل لمحدود، وإن أمامكم العقبة الكؤود، ووراءكم اليوم الموعود هنالك الوجوه بيض وسود، والحاكم الله والملائكة الشهود، والجنة والنار دارا جزاء وخلود، فبادروا قبل أن تصيبكم سهام الأعراض وتنشب فيكم مخالب الأمراض.
وقوله من أخرى:
وأسفًا عليك أيها المسكين، ما أغفلك أتتقاعد عن طاعة الله ما أمهنك وأكسلك، وتسرع إلى المعاصي ما أعظم جرأتك وما أعجلك! أكفرت بالذي خلقك فسواك فعدلك، أم ظننت أن الذي أوجدك أهملك أم عرفت أنه لا يعرف زللك؟،