للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مكان بعيد ونازح، ويرجعون من تحت التراب والصفائح، إلى النوائب والمصائب والفوادح، وتصدعون من الندم على فوات العمل الصالح، ويقطعون من الأمل على ما فعلوا من القبائح، فكم حسرات بين تلك الجوانح، وعبرات على الخدود سوافح، وزفرات على مخالفة الشقيق الناصح، واعجبًا كيف تذهل عن الطريق الواضح، واحسرتا كيف تجهل وعلم الهداية لائح، هل هذا مرض عرض للقرائح؟ أم هذا عرض غلب على العقل الواضح؟ لمثل هذا يندب النادب وينوح النائح.

وقوله:

أيها الناس، من بعد من جناب ربه الكريم فما الذي يرضى به عوضًا؟ ومن قعد عن طريقه المستقيم بماذا يلتمس الرضا؟ ومن اعتقد نار الجحيم وجنة النعيم كيف يكون عنها معرضا؟ ومن جحد ذلك اليوم العظيم سيعرف إذا ذهب العمر وانقضى، ومن عبد هوى نفسه الذميم لم يترك له حظًا ولا عرضا، ومن سوّد كتاب عمله في الزمن القديم لم لا تجعله التوبة منتضى؟ ومن انتقد عمله الزائف السقيم كيف لا يصبح كئيبًا حرضا؟ ومن سعد تبع أمر الحكيم العليم فما طلب واقتضى، ومن اجتهد فإن الله غفور رحيم يستر الزلل ويغفر ما مضى، وكيف لا يعجل من لا يثق بالبقاء إلى غده؟ ولماذا يهمل من لا يأمن أن يعجز عن إربه ومقصده؟ فلعله ينزل به ما لا يخطر بخاطره ولا يمر بخلده، ولا يمهل فيعمل على إصلاح آخرته وتمهيد مرقده، أيجهل أنه يشغل عن نفسه وولده، ويفصل من أمله كما تفصل روحه من جسده، ويسأل فلا يقبل ولا يؤجل عند انقصاء أمده، وينقل فقيرًا من حوله وقوته وصبره وجلده، هنالك يهلك المتحسر على ما فرط في حق المولى. ولا يستدرك المقصر ولا يملك قولًا ولا فعلًا، ولا يدرك إلا السابق المشمر لما هو به أولى، فهنالك كم من عبرة ترقرقت لا يُرحم باكيها، وزفرة قد أقلعت لا ينظر لشاكيها، وغمرة قد أحدقت بأقاصي الخليقة وأدانيها، وسكرة قد أطبقت تكابدها النفوس وتعانيها، وحسرة قد تحققت في القيامة على ما فرطنا فيها، وفكرة قد استقرت في أمور لا يمكن تلافيها، وجمرة قد أحرقت من قرب أو بعد نواحيها.

وقوله:

يوم يقف بين يدي الله حزنًا أسفًا، ويعترف بما كتب له مقترفًا وينصرف فيمن ذلّ وضل وهفا، وينحرف إلى نار الجحيم، وساءت منصرفا، فأحجم عما يكون متخوفًا، واعزم على الطاعة لا مترددًا ولا متوقفًا، واغتنم إمكان العبادة لا مفرطًا ولا مسوفًا، والتزم صدق الإنابة فكانت له مألفا، ورحمنا أجمعين مفضلًا متعطفًا، ووهبنا كما وهب عباده الصالحين رفعةً وشرفا.

<<  <  ج: ص:  >  >>