للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأسْرِعْ، وفُتِّنْتَ بطول المهل، وإن حِبالُ المهل ستقطع، واستعنت بستْر ذيل المنْسَدِل على قبيح ما تصنع، ومَكَّنْتَ نفسك من الزلل وقد كنت عليها أجمع، وأمنت من الحادث الجلل، فما تخاف ولا تتوقع، فلو أيقنت بجزاء العمل لما عدلت عما ينفع، ولو استبنت حقيقة الوجل لكان يزجرك ويردع. لقد وعظك خطيب الأنام فما وجدك تفهم ولا تسمع، وأيقظك منبه الحمام، وكلما أيقظك تهجع، واستحفظك ربك حقوق الإسلام وها هي تهمل وتضيع، فأنت تغفل وتجهل وتلعب وترتع، وتقدم على ما لا تعلم ولا تتألم ولا تتوجع، غدًا تغلب عن استدراك ما إليه تدفع، وتحجب عن صلاح شأنك وتمنع، غدًا تقلب على فراش الضنى وتقعد وتضجع، وترغب في شفائك وتتحسر وتتفجع، وتطلب دوائك لو نفع وأنجع، غدًا تسكب دمعك على نفسك وتهجع، وعلى أهلك وولدك وأطفالك اليتامى الرضع، غدًا تندب وتُنْدَب وتودّع وتَوَدَّع، وتقرب منيتك وينقطع منك كل مطمع، غدًا يضطرب قلبك الحزين وتتضعضع، وتجذب روحك من بدنك وتخرج وتنزع، غدًا يسل كل ما تحوي وتجمع، ويذهب بك إلى بيداء بلقع، ولا تصحب سوى الكفن ولا تتبع، غدا ترهب إذا طلع صبحك وشعشع، وتعجب إذا أبصرت هول ذلك المطلع غدًا يصعب عليك المال والمصرع، ويرعب له قلبك ويتصدع، ويتلهف بنار الأسف وتحزن وتجزع، إذا عظم خطبك الشنيع وأفضع.

ومنه قوله:

ابن آدم، كيف لا تبادر إلى رضى ربك وتثابر؟ وتحاذر عقوبة ذنبك العابر؟ أتنكر قدرته على العبيد فأنت تجحد وتكابر؟ أم تصبر على عذابه الشديد ما أنت على التعذيب بصابر، أم يخطر لك أن العمر مديد، ما هي إلا سبيل أنت بها عابر، أم تقدر أن الموت بعيد، كأنك ما ترحل إلى المقابر، أين أرباب الدفاتر والمحابر، أين صوّام الهواجر، أين قوام الدياجر؟ أين الخائف من الزاجر إذا زاغ الخائف الفاجر، أين من يعامل ربه ويتاجر؟ ويواصل لأجله ويهاجر؟ أين الحامد والشاكر؟ أين العابد والذاكر؟ أين العارف والناكر؟ أين الناصر والماكر؟ أين الرابح والمناكر؟ أين الجيوش والعساكر؟ أين بحر العلم الزاخر؟ أين المباهي والمفاخر؟ أين الأول والآخر؟ فتك والله فيهم صرف دهرهم الغادر، وسفك الجمع بسيف حتفه الباتر، وأوردهم موارد أن بعدها مصادر. فأسهدهم مشاهد ما خطرت لهم بخاطر، وأبعد عنهم المقاصد وأعدمهم المعاضد والمناصر، هو الذي يصنع بهم من الفجائع في الحال الظاهر، ويسمعه الآن أذن السامع وينظره الناظر، ومن وراء ذلك اليوم الذي يسمعون فيه صبحه الصابح، ويجمعون من كل

<<  <  ج: ص:  >  >>