ولبسها، وقرّرها بكذبه عليه ولبسها، وهوّل بها حتى صيّرها عظائم جساما وصورها بتخييله عليه مواثل أجساما، وأعانه على تحمل وزره قومٌ من شهود الزور، وجحود الحق المبرور، ثم آلت ضائقته التي مني بها إلى الفرج، وأبقته التي رُمي بكذبها إلى ما أثم فيه عليه ولا حرج، وانقطع في تربه بالقرافة لا يسعه مجلس، ولا يدعيه عائد فكره كأنه موسوس، وحجّ تلك السنة، فلما أتى المدينة الشريفة زائرًا، ووجد لديه تلك انحنى ثائرًا، ووقف تجاه تلك الحجرة الشريفة باكيًا، وبفيض المدامع شاكيًا، واستعدى حامي ذلك الحمى، وانتسب بالعلم إلى ساكنه وانتمى، وعزت العبرات في ثرى تلك الحجرات، عما لقي من نوب النوائب، وبلي به من المصائب، ولاذ بذلك الجناب الشريف متظلمًا، وبثّ سلواه متألّمًا، وقام بقصيدة تضمنت مقاصده، وضمنت ما كان قاصده، فوالله ما عاد حتى بلغ المراد، وما أبدى ولا أعاد، وقتل الوزير ومن وزره، وبطل ما كان افترى عليه وزوّره، ووصل هذا المستجير إلى وطنه سالمًا، وإلى منصب الحكم العزيز ومات حاكمًا.
ومن خطبه التي أينعت بها أعواد المنابر وأورقت، وأضاءت في المسامع وأشرقت، قوله:
ابن آدم، أفق لانقضاء مدتك، فما بقي إلا القليل، وأرق عليها دماء مقلتك، فإن الدموع لا تشفي الغليل. وابق ما بقي من يعينك على الأسف فيما سلف والحزن الطويل، وحقق في نفسك وطويتك إنك في الدنيا كعابر سبيل، واشفق على نفسك من حلول منيتك وما تأهبت إلا وتزوّدت للرحيل، والصق خدّك بالتراب لأجل خطيئتك كما يفعل الخاضع الذليل، وأخلق بك باكيًا على بليتك، ومن أحق منك بالبكاء والعويل. وثق بأنك إن صدقت الله في سريرتك أعانك وأغاثك بكرمه الجزيل، فمزق أثواب لهوك وغفلتك رداء عفوه الجميل، وصدّق بعقوبتك ومثوبتك لتقف مع التحريم والتحليل، وحدق بعين قلبك وبصيرتك لتعتبر بمن عبر من الأمم جيلًا بعد جيل. أما أدرك الموت من سلف قبلك من القرون؟ أما هلك به المتقدمون وتبعهم المتأخرون؟ أما فتك ونكب وسلب وانتهب كل نفيس مصون؟ وهل ترك، وتبعهم المتأخرون من هلك فسيح البلاد ومنيع الحصون، أما سلك بهم بعد العزّ العظيم سبيل الصغار والهون؟ فكم لكم فيهم من عبرة! ولكن لا تعتبرون، ومن عبره لو أنكم في مصيرهم تتفكرون، ومن حسرة لو أنكم تتأملون وتتدبرون.
ومن قوله:
ابن آدم، ركبت إلى الأمل خؤون يخدع، وسكنت لامتداد الأجل وما أقرب طبه