للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

موجودة. هي الدنيا، فاستحقروا منها ما كثر، واستصغروا منها ما كبر، وجانبوها فقد عرفتم سوء الصحبة، وأرصدت لكم المنايا، فراقبوها فإنها لكم على أهبة، فبينا أحدكم يرفل في اغتنام لذته ويغفل عن الحمام وأخذته، يخطر في سرباله ولا يخطر الموت بباله، إذ نبا بجنبه مضجعه، ودنا إلى ربّه مرجعه، ففتّ الوجع في أعضاده، (وشتت) الأجل شمل وداده، يطلب النوم فلا يجده، ويندب اليوم ما يسفر عنه غده، قد ألقى إلى التهلكة بيده، واستلقى منتظرًا انتزاع روحه من جسده، واضعًا راحته فوق صدره وكبده، ضارعًا لفراقه من أهله وولده، هذا عباد الله آخر الدنيا فاجعلوه أوّلها، وهذه النصيحة المحضة فرحم الله من نقلها.

ومنهم:

[٣] قاضي القضاة (١) تقي الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الوهاب ابن خلف (٢) العلامي (٣)

ذو المنصبين، الوزارة والقضاء، والقلمين التوقيع بالأرزاق والتسجيل بالإمضاء، من بيت مشمخرّ بناؤه، مستمر في الأنباء سناؤه، ومني من ابن السعلوس (٤) وزير الدولة الأشرفية بعدوّ لا تخبو له نار، ولا ينبو لسيفه غرار، نصب له العاثور، وعصب فضله المأثور، وصبّ عليه مصائب آلم من وقع السياط، وألجأه إلى أمور أضيق من سم الخياط. ولزمه من مكابدة بطوق ماله من براح، ووثاق ماله منه سراح، لأمور قدرها له


(١) المعروف بابن بنت الأعزّ. فقيه، إمام، أديب، من الخطباء الشعراء الفصحاء ولي الوزارة مع القضاء، وتوفي كهلًا سنة ٦٩٥ هـ.
ترجمته في: الوافي بالوفيات ١٨/ ١٧٩ وفوات الوفيات ٢/ ٢٧٩، وطبقات الشافعية الكبرى ٨/ ١٧٢ والبداية والنهاية ١٣/ ٣٤٦ والسلوك ١/ ٣ ورفع الإصر عن قضاة مصر ١/ ٣٢٧ والنجوم الزاهرة ٨/ ٨٢ وعيون التواريخ (٦٨٨ - ٦٩٨) من ٢٠١ والمنهل الصافي ٢/ ٢٩٤ وحسن المحاضرة ١/ ٤١٥ وشذرات الذهب ٥/ ٤٣١، وتاريخ الإسلام وفيات ٦٩٥ هـ. ودول الإسلام ٢/ ١٥١ وتتمة المختصر ٢/ ٣٤٥ وتذكرة النبيه ١/ ١٨٦.
(٢) كذلك في سائر المصادر عدا الفوات إذ ورد فيه: خليفة.
(٣) العلامي نسبة إلى علامة بالفتح والتخفيف، قبيلة من لخم.
(٤) شمس الدين ابن السعلوس محمد بن عثمان بن أبي الرجال وزير الملك الأشرف. أمسكه الشجاعي بعد قتل الملك الأشرف سنة ٦٩٣ هـ، فصادره واستصفى أمواله، ولم يزل تحت العقوبة إلى أن مات. انظر: عيون التواريخ (٦٨٨ - ٦٩٨) ص ١٥١ والبداية والنهاية ١٣/ ٣٣٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>