وما أَظلَّ والظلُّ وارف إلاّ قَلَّص، ولا بعث بجنده طليعة إلا أَشخص، ولا جاء بجِدّه إلا جاء الحقُّ وحصحص، لا يدفع بالجحافل، ولا يعبأ بالمحافل، إذا بَتَّ الأصل ونبت الوصل، فعمي البصير، وانخذل النصير، وحاز القويُّ وحار المشير، وأديل التاج، وأزيل السرير، ألا وأنه من مات فات، ومن بقي فما بقي للخلود ولكن للممات.
ومنه قوله، ويذكر وداع رجب:
أيها الناس، إنه ليس للمرء وراء الله مذهب، ولا للعبد من قضاء الله مهرب، ولا الدنيا تحب، يأسى عليها اللبيب المهذب، فالسعيد من زود من دنياه لآخرته، وقدم خيرًا يجده في حافرته. فمن قدم خيرًا فله يلقى، ومن يوق شح نفسه فيا عظم ما توقى، والناس على المفقود أحصل منهم على الموجود، لأن الذي يذهب هو الذي يبقى، فهل منكم عباد الله منبعث للإجابة، مكترث بالإنابة، وافد على الكريم، فإن الكريم قد فتح بابه. لما أمطرتم بالتوبة رجبًا، فقد مضى رجب إلا صابه، فرحم الله امرءًا كانت أواخره خيرًا من الأوائل، فاغتنموا من شهره هذه الأيام القلائل يودعها ويودعها خيرًا هو إليه آيل. فربما أتاه الأجل قبل أن يأتي رجب القابل.
ومنه قوله، ويذكر شهر شعبان:
وللمعاملة مواسم، وأربحها وأنجحها شهركم هذا شعبان، شهر تتشعب فيه البركات وتتفتق على أفنان، شهر كريم بين شهرين كريمين، الشهر الحرام وشهر رمضان، شهر رسول الله ﷺ، كان منه بمكان، وها هو قد نزل بكم ضيفًا فأكرموه إن عرفتم حق الضيفان، فكأنكم به وقد مضى عن قوم بالسخط كما مضى عن قوم بالرضا، كما مضى غيره من الزمان.
ومنه قوله:
يا عجبًا لابن آدم، بكفيه الأجل وهو آمن، ويحرك له الأمل وهو ساكن، يهمل آخرته كأنه يعيش أبدًا، ويكدح لدنياه، كأنه لا يموت غدًا، يسيغ مشرب الدنيا، وكلّه غصص، ويستلذ عيشًا وجلّه نَغَص، كلّما كبر كثر زلله وكلما شاب شب أمله، لو تأمل تألّم، ولو عد كلامه من عمله ما تكلّم، يذنب ويعصي والملك يكتب ويحصي، يؤخذ بحجزته عن النار وهو يقتحمها، ويفتح له أبواب الجنة في هذه الأشهر الشريفة فلا يغتنمها.
ومنه قوله:
أيها الناس، قصر سعي من كانت خُطاه معدودة، وخسر رأي من اتخذ هواه معبوده، وذاك ناصر من كانت الأيام جنوده، وقل حاصل من كانت الحطام