الشمال واليمين، وعصمته التي أنبتت على الأرض لطائف الحفظ والتأمين، نطقت بصدق دعايته الحجج والبراهين، وشهدت بمعجزة هدايته آية الجذع المنقعر والقمر المستبين، هذا بالانشقاق وذلك بالحنين. ابتعثه الله بشارة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) صلى الله عليه وعلى آله الذين لاحوا غرة في جبين الحق المبين. وقرة العيون المهج، مهج الدنيا والدين. وسلّم كثيرًا. الله أكبر، أيها الناس للأيام شرف تتفاوت فيه بحسب المذاهب والمقاصد، ويتحلى بحليته، فيتجلّى في أبهى المطارف والمجاسد. فمواسم وأعياد، وتعود على الأمم بأجمل الفوائد والعوائد. وللأمم على تباين فكرها أحكام تعلن بسيرها، ولكل أمة جعلنا منسكًا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام. فإلهكم إله واحد، جعل الله ما اخترع وأوجد، كل بوحدانيته يقر ويشهد فيا بشرى المقرّ وخيبة الجاحد. فاشكروا الله يا ولد إسماعيل على ما خصكم به من شرف هذا الوالد، وبوّأكم من ذلك ما لمقام الذي يتسابق بمداه جباه الراكع والساجد، جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد، فلقد آثركم الله في هذا اليوم وحباكم حين فدي فيه من الذبح أباكم، وقد استسلم لموقع القدر استلام المطاوع المتباعد، واذكروا موقفه وأبوه إبراهيم يقص عليه من رؤياه خبرًا، ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ (٢) فيا رحمةً لما ضم ذلكم الموقف من وجد ومتواجد، ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (٣) وأخذ شفرته باليمين، نودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، فلا مفقود ولا فاقد، فما أتيته، ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ كوني بردًا وسلامًا على إبراهم، بما تلاقي المحنة والمنة تماثل الماجد بالماجد، الله أكبر، عباد الله، هذا يوم عيدكم الأكبر، ومثابة ثوابكم المدخر، ومحل استنزال المعرفة بما عرف تمسه عرفات من مزايا متسعة، واثروا لوفود مني بمنى والسعي إلى المشعر، حيث قام خطيب الملة فنهى وأمر، وندب وأوجب وأباح وحظر، وبين لنا ما يأتيه من مصالح ديننا ودنيانا ونذر، تبًا لمن بدل أو غير، وكذب فلا صدق ولا صلّى ولا حجّ ولا اعتمر، فعليكم بإقامة خمس بني الإسلام عليها، وأسرعت أنواع الشريعة إليها، وقامت الحجة على من حجد وكفر، شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج صدق المخبر، صلى الله عليه وعلى آله وسلّم، وصح الخبر الله أكبر.
* * *
(١) سورة الأنبياء: ١٠٧. (٢) سورة الصافات: ١٠٢. (٣) سورة الصافات: ١٠٣.