ومن شيبته لهرمه، ومن قوته لألمه، ومن مقامه لرحيله، ومن دنياه لآخرته. وكان في طاعة ربه من المبرزين، فإن ما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين.
ومنه قوله:
أيها الناس، من كان الدهر خطيبه كفاه، ومن كان الفكر طبيبه شفاه، وما أنتم إلا سبيل الآخرة قراره، وذبال الموت الوحي ( … .)، وقوف، والآجال بكم سائرة وحلال، والأيام بكم مسافرة، ورقود والمنايا في فنائكم ساهرة، تعمرون الدنيا وداركم الدار الآخرة. ومنهم ابنه:
[[٤٦] أبو الطاهر، محمد بن عبد الرحيم]
سعى خلف أبيه فما أدركه، وطلب إرثه من البلاغة فلم يظفر بما تركه، خلا زلالة من قول تبرضها، وعلالة من كلمات يتمضمضها. وله في ديوان أبيه خطب كتبت في آخرها، وبينت جداولها مع تلاطم أمواج زواخرها.
ومنها قوله:
أيها الناس، وضح الصواب لمن طلبه فرغب فيه، واتضح الكتاب لمن عمل بأوامره ونواهيه، وأفصح بذكر ما أحل لكم وحرّم، وبيان ما أشكل عليكم وأبهم. ولا تعلنوا رحمكم الله الأهواء الموبقة لمن أطاعها عليه، فقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه.
ومنه قوله:
وكان قد خيّم على اللذات هادمُها. وأقدم على الحركات حازمها، عصفت من المنون سمائها، وعملت في النفوس صوارمها، فأصبحت أيها المغرور صريعًا لمساورة الانتقام، سريعًا في جسمك بعض الإبرام، قد عزّ عليك الكلام فعلًا، وجاش صدرك بالأنين فعلًا، وأمر الموتُ في فمك من الدنيا ما حلا، فنبذت في الضريح الملحد، وأسكنت تحت الصفيح الموصد منفردًا بأعمالك في المكان الفدفد، مبدلًا من خفض مهادك وساد الجلمد.
ووقفت له على رسالة كتبها إلى بعض إخوانه معزيًا بولد كان به بارًا، فمات أعظم ما كان له سارًا، صدع بها الفؤاد صدوعًا، وأجرى الصبر دموعًا وهي:
المصاعب - أعظم الله أجرك - لا يدفعها الحزن، ولا يمنعها الأسف عند نزول المحن، ولا يسلي عنها إلا الصبر لمن ابتلى، والرضى الله بما قضى، وقد ألم بي نبأ ابنك المتوفى، أعظم ما كنت مغتبطًا، به مرتبطًا على حبه، وأكثر ما كان لك نفعًا،