للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عليه رسول الله ، والمدعو له الخليفة أعزه الله والأمير سليمان بن جعفر.

ومنهم:

[٤٤] واصل بن عطاء، أبو حذيفة الغزال، المعتزلي (١)

كان لا يؤدي حرف الراء فتجنبه، وعرى منه كلامه وسلبه. كأنها لم تكن في حروف الهجاء معدودة، ولا في لغة العرب موجودة. هذا مع فصاحة تندى أعطافها، وتدني قطافها، ليس هذا في خطبه التي كان يتصنّعها، وكتبه التي يضعها، بل في جميع مخاطباته وكلامه وكتاباته، تخلق بهذا حتى صار له خلقًا. وألف له شعوبًا وطرقًا، وكان لا يبدو عليه التكلّف أثر ولا يبين له خطأ قدر عليه أحد. ولا عسر مع حذفه حرفًا كثيرًا ما يدور في الكلام ويأتي في الشهادة والتحميدات الكرام.

مولده سنة ثمانين من الهجرة، واشتغل على الحسن البصري ثم اعتزل، وخالفه في قوله في أصحاب الكبائر من المسلمين أنهم ليسوا بمؤمنين ولا كافرين بل لهم منزلة بين المنزلتين، فسمي هو وأصحابه معتزلة. ولم يكن غزالًا إنما كان يواظب سوق الغزالين ليعرف المتعففات من النساء فيعطيهن الصدقة، وتجنّب حرف الراء في كلامه، حتى ذكر ذلك الشعراء، فمنه قول بعضهم في المدح (٢):

تجنّب لليوم العطاء كما (٣) … تجنّب ابن عطاء لثغة الراء

وتوفي واصل سنة إحدى وثلاثين ومائة.

ومن خطبه المطوّلة المسهبة، المفصلة تفصيل العقود المذهبة، قوله:

الحمد لله القديم بلا غاية، والباقي بلا نهاية، الذي علا في دنوه، ودنا في علوه، فلا يحويه زمان ولا يحيط به مكان، ولا يؤده حفظ ما خلق، ولم يخلقه على مثال سبق، بل أنشأه ابتداعًا. وعدّ له اصطناعًا، فأحسن كل شيء خلقه، وتمم مشيئته. وأوضح حكمته، فدل على ألوهيته، فسبحانه لا معقب لحكمه، ولا دافع لقضائه، تواضع كل شيء لعظمته، وذل كل شيء لسلطانه، ووسع كل شيء فضله، لا يعزب عنه


(١) ترجمه في أمالي المرتضى ١/ ١٦٣ ومعجم الأدباء ١٩/ ٢٤٣ والنجوم الزاهرة ١/ ٣١٣ ووفيات الأعيان ٦/ ٧ وشذرات الذهب ١/ ١٨٢ والبيان والتبيين ١/ ٣٢.
(٢) البيت لأبي محمد الخازن من قصيدة مدح بها الصاحب بن عباد (الوفيات ٦/ ٨).
(٣) كذا ورد الشطر في الأصل، وفي الوفيات: نعم تجنّب لا يوم العطاء كما.

<<  <  ج: ص:  >  >>