الذي فرق الجموع، وجمع الجمع، وعمر المساجد وهدم البيع، وأظهر الدين، وطمس البدع، ووضع الأصنام، ولذكر الله رفع، فلم يزل أمره ﷺ يزداد ظهورا، وجعلت له الأرض مسجدًا وطهورًا، فشرع الآذان والإقامة، وقال: بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة، صلى الله عليه وعلى آله أهل القدوة والإمامة، صلاة تحلّهم بها دار المقامة.
أيها الناس، إن رياض الأذكار قد أينعت وفاح نشرها، فأين المرتاد؟ وإن وجوه الإقبال قد أسفرت، ولاح نشرها، فأين أهل الوداد؟ وإن نعم الله قد أسبغت، فأين العباد؟ لقد حضرت الأجساد، وغابت القلوب، وقلّ الخالص وكثر المشوب، واستهلكت صبابة العمل في ذنوب الذنوب. أذن واعية، فتوعظ، ألا فطنة سامية فتحفظ؟ ألا بصيرة ناقدة فتلحظ؟ فقد بان الصباح لذي عينين، وقامت حجة الله من الليل والنهار بعد أين. فيا سعد من عمل فيهما كما يعملان فيه، وراقب الله تعالى فيما يعلنه ويخفيه، وترك كلّ ما يطغيه، وأخذ بعض ما يكفيه. وأنعم النظر فيما يرى ويشاهد، ففي كل شيء له آية على أنه واحد، لقد وضح الدليل، وبأن السبيل، إنما يقع الإشكال في وصف من له أشكال. وإنما تضرب الأمثال لمن له أمثال، فأما من لم يزل ولا يزول، فقد اعترفت بوحدانيته العقول، فانتبهوا رحمكم الله من رقدات الأعمار، وانتهبوا لحظات الأعمار، وأسلكوا مناهج الإخلاص، وأعرضوا أعمالكم على محك الذهب الخلاص، وإذا نصب لكم شرك الهوى، فأحسنوا منه الخلاص، هذا شهر رجب قد أهل به الهلال، وسمع له في آفاق السماء إهلال، وتقدم الأشهر الحرم، وتضمن معناها وكان لنظمها براعة استهلال، وتلقوه كما يتلقى الحبيب القادم بعد الشتات، وأعدوا نزله من الصلاة والصلات فها هو قد تفيأت ظلاله، وحرّك القبول إقباله، وتقدمه الغيث يسح قطره، حتى أصبحت لقدومه الأرض مخضرة، فأهلًا بشهر مضر الحمراء، مزيل السنة الشهباء، ومعوض الرخاء من النكباء، شهر الله الأصب فيه تصبّ السماء بركاتها، وتخرج الأرض مستودع نباتها، وتتفجر الأعين عن غير فراتها، وتبتهل القلوب بصدق نياتها، إلى عالم خفياتها، وها نحن قد تلقينا بالأهل والترحيب، وجمعنا لتلقيه بجامع وخطبة وخطيب، فيا سعد من عبد ربه، وعظم قدسه، ويا شقاء من ظلم فيه نفسه، فأطيعوا الله ورسوله أحسن الطاعة، وخذوا حظكم من ملازمة السنة والجماعة، ولا تطلبوا بأعمالكم غير رضا الله تراثًا، ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة إنكاثًا، وأرغبوا عن طول الأمل. فإن العمر قصير، وأذهبوا غش العمل، فإن الناقد بصير، وإن امرءًا لزم الفتور والتواني، وتمنّى على الله الأماني، لسابح في لجة غرور، ملوم سابحها سابح في مفازة شرور، مشوم بارحها وسانحها، فاتقوا الله ما استطعتم، وأنفقوا في