للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سبيله ما جمعتم، وأحفظوا من نفوسكم ما رفعتم، وارفعوا من قلوبكم ما حفظتم، وجدوا بسيف العزم سوف ولعل، وأعدوا المسير في ميدان المهل وراقبوا الله تعالى فيما دق وجل، واعلموا أنه ما بعد حلول الأجل إلا سرابيل القطران أو الحلل، جعلنا الله وإياكم ممن ينتهز الفرصة عند إمكانها، ويزجر نفسه عما تزينه وسوسة شيطانها، إن أوفى الكلام بمداواة الكلوم، وأعلا الأعلام لروايات العلوم كلام الإله الحي القيوم، ويقرأ: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (١) الآية.

خطبة أخرى، أنشأتها وخطبت بها في الجامع:

الحمد لله الذي سبح بحمده الرعد، وصرح برفده الوعد، وتمدح بارتفاع مجده عن القبل والبعد، أحمده على سوابغ النعم، وأقر له بسوابق القدم، وأنزهه عن لواحق العدم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يشرق سمتها على الوجوه النواضر، وينطق سمتها للعيون النواظر، وتلوح أشعتها بأعلا المناظر، وتبوح أدلتها للمستدل بها والمناظر، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي انتهت إلى الشفاعة في أمته أمنيته وسؤله. وطاب في ظل سدرة المنتهى مقيله، وقام بحجة الله على خلقه تنزيله وقيله، وظهر في الملأ الأعلى اختصاصه وتفضيله، ورأى من آيات ربها الكبرى ما قرت به عينه وأشفى غليله، وصح أنه حبيب الله وخليله: فهو الأبلج الذي يستسقى بوجهه الغمام (٢)، ويستشفى ببريقه من الداء العقام صلى الله عليه وعلى آله الكرام، صلاة تحلهم بها دار السلام.

أيها الناس: إنه قد نشرت علينا رحمة الرحمن، وبنشرها طويت يد الحرمان، فمن شكر فله شكره، ومن كفر فعليه كفره، فذكرا لأيام الله ذكرا، وشكرا لأنعمه شكرا، فإنه بالذكر والشكر تحصل السعادة، إذ بهذا تحصل الحسنى، وبهذا تحصل الزيادة، واعلموا أنه من شكر الله تعالى العمل بطاعته، وإيثار المرء على نفسه عند فقره وخصاصته، فرحم الله من أعطى من سعة، أو آثر عن فاقة، أو واسى من كفاف، وراض بصره بالغض، وبطنه بالقناعة، وفرجه بالعفاف، فإن الصبر ضياء، والصدقة برهان، وإذا ذكر الموت وقد تعسر البرهان. فما هي إلا أيام قلائل، وقد التحقت الأواخر بالأوائل، وتساوت في الصعيد مضاجع السادات والعبيد، وتفاوتت الأرواح فمنهم قريب وبعيد، ومنهم شقي وسعيد،


(١) الأعراف: ١٨٥.
(٢) تضمين لقول أبي طالب بن عبد المطلب :
وأبيض يستقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل

<<  <  ج: ص:  >  >>