حكى إسحق، قال: كنتُ مع الرشيد، حين خرج إلى الرقة. فدخل يومًا يشرب مع النساء. فخرجتُ ومضيتُ إليه. فنزلتُ عند خمارةٍ هناك، لها زوج قس. ولها منه بنت. لم أر مثلها قَطُّ جمالًا، ولا مثل بنتها وأخرجت إلي شرابًا لم أر مثل حسنه وطيب ريحه وطعمه. فأجلستني في بيت مرشوش فيه ريحان غض. وأخرجت بنتها تخدمني كأنها خُوطُ بانٍ، أو جدل عنان، لم أر أحسن منها قدًا، ولا أسهل خدًا، ولا أشرق وجهًا، ولا أبدع طَرْفًا، ولا أحسن كلامًا، ولا أتم تمامًا. فأقمت عندها ثلاثًا، والرشيد يطلبني، فلا يقدر عليّ. ثم انصرفت. فذهبَتْ بي رُسُله إليه. فدخلت عليه، وهو غضبان. فلما رأيتُه خَطَرْتُ في مشيتي ورقصت، وكانت في رأسي فَضْلةٌ قوية من السكر، وغنَّيْتُ في شعر في بيت الخمارة صنعت فيه لحنًا. وهو (١): [من الخفيف]
إنَّ قلبي بالتل، تل عَزَازِ، … عند ظبي من الطباء الجوازي
شادن يسكن الشام وفيه … مع شكل العِرَاقِ ظَرْفُ الحجاز
حَلَفَتْ بالمسيح أن تُنجز الو … عد، وليست تهتم بالإنجاز
قال: واللحن في هذا الشعر خفيفٌ رَمَلٌ بالوسطى.
قال إسحق: فسكن غضبه. ثم قال لي: ويحك! أين كنت؟ فأخبرته فضحك وقال: عُذْرٌ، والله! وإنّ مثل هذا لَطَيِّبٌ، إذا اتفق أَعِد غناءك! فأعدتُه. فأُعْجِبَ به، وامرني أن أغنيه ليلتي كلها، أعيده أبدا، ولا أغني أنا ولا غيري سواه. وأمر المغنين بأخذه. فما زلت أغنيه ويشرب عليه إلى الغداة. ثم انصرفنا. فصلَّيْتُ ونمتُ. فما استقررتُ جنبا حتى وافاني رسول الرشيد، يأمرني بالحضور. فركبتُ ومضيتُ. فلما دخلت إذا أنا بابن جامع يتمرّغ على دكان في الدار، لغلبة النبيذ والسكر عليه. فقال لي: أتدري لِمَ دُعِينَا؟ قلت: لا. قال: نصرانيتك الزانية، عليك وعليها لعنة الله! فضحكت. فلما خرج إلينا الرشيد، أخبرته بالقصة. فضحك وقال: صدق. أعيدوه جميعًا، ولا تغنوا غيره. فإني اشتقت إلى ما كنا فيه لما فارقتموني. فغنيناه جميعا يومنا كله، حتى نام في موضعه، سُكْرًا. ثم انصرفنا.
حانة هُشَيْمة (٢) - وكانت بدمشق. وكانت تخدم الوليد بن يزيد في شرابه وتتولّى