والماء أنت، ولا يصح لقابض! … والنار أنتِ، وفي الحَشَا تتوقَّدُ
ولما طال مقامه، وقفت عليه وسألت عن سبب إقامته فقص عليها الخبر، ونص العبر. وأعلمها أنه إنَّما أتى ليحج، فلما رآها أقام، وتطلَّبَ ما يعالج به السقام. فقامت غير متباطية، ووَثَبَتْ كالظبية العاطية. وظنَّتْ أنّه لم يُصَبْ، وأنه مد لها شَرَكه وَنَصَبْ. فلما رأى ما رَابَ من شُفورها، وإعراض ظبيتها الأدماء وسرعة نفورها، أسال عبرته، ووالى حسرته. ثم قال (١): [من الطويل]
حديثك ما أحلى! فزيدي وحدّثي … عن الرشا الفرد الجمال المثلث
ولا تسأمي ذكراه، فالذِّكْرُ مُؤْنِسي … وإن بَعَثَ الأشواق من كل مَبْعَث
أحقًا وقد صرحت ما بي أنه … تبسم كاللاهي بنا المُتَعَبِّثِ؟
وأقسم بالإنجيل إنِّي لَكاذِبٌ … وناهيك دمعي من مُحِقِّ ومُحْنِثِ
ورآها يومًا بين صواحبها، كما أطلَعَتْ ليلةٌ القَمَرَ بين كواكبها. فلما دنا منهنَّ للحديث تنحتْ، وبَخِلتُ عليه بكلامها وشَحَّتْ، فقال (٢): [من الطويل]
وبين المسيحيات لي سامريَّةٌ … بعيد على الصبّ الحنيفي أن تدنو
مُثَلِّثَةٌ قد وحد الله حسنها … فتني من قلبي بها الوجد والحُزنُ
فطي الخمارِ الجَوْنِ حُسْنُ كَأَنَّما … تَجَمَّع فيه البدر والليلُ والدَّجْنُ
وفي مَعْقِد الزنّار عقد صبابتي: … فمن تحته دِعْصُ ومن فوقه غُصْنُ
ثم إنه صارت لا تراه إلا احجبت، وهيهات للشموس أن حُجِبَتْ. فزاد بها بلباله، وعظم اختباله. فلما كان يوم عيد من أعياد النصارى، طلعت تلك الدمى، كأنجم السما، وبرزت تلك الديرانية في أترابها، وخرجت كالصباح المسفر من وراء حجابها. فوقف عليهن وقال (٣): [من مجزوء الوافر]
عَسَاكِ يحق عِيسَاكِ … مُرِيحَةُ قلبي الشاكي
فإنَّ الحسن قد ولًا … ك إحيائي وإهلاكي
وأولعني بصلبان … ورهان ونساكِ
ولم آتِ الكنائس عن … هوى فيهنَّ، لولاك
فهل تدرين ما تقضى … على عَيْنَيَّ عيناكِ؟
وما يذكيه من نار … بقلبي نورك الذاكي؟
حَجَبْتِ سَنَاكِ عن بَصَرِي … وفوق الشمس سيماك؟
(١) ديوان ابن الحداد.
(٢) ديوان ابن الحداد.
(٣) ديوان ابن الحداد.