للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

غربا على جانب البرية القاطعة بين بلاد البحيرة والفيوم.

مررنا على بعضها في الصحبة الشريفة الناصرية وهي في رمال مُنقطعة، وسباخ مالحة، وبَرارٍ مُعْطِشة، وقفارٍ مُهْلِكة. وشرب سكانها من جفارات لهم. وهم في غاية من قشف العيش وشظف القوت.

ويحمل النصارى إليهم جلائل النذور والقرابين، وتخصهم بكرائم التحف.

ويتخذ كتبة القبط وخَدَمُ السلطان منهم خاصةً، أيادي معهم، ليكونوا لهم ملجأً من الدولة، إذا جارت عليهم صُرُوفُها.

ولم أعلم فيها أخبارا فأذكرها ولا أشعارا فأُطرِفَ بها. وإنما ذكرتها لشهرة اسمها وبُعْدِ صيتها.

الدير الأبيض (١) - وهو دير جليل البناء، أبيض - كما سُمِّيَ - عليه رونق. قد بُنِيَ بالحجر الأبيض، وزُيِّنَ في أبنيته ووسع في قدر أفنيته، وهو غربي النيل، في طرف الحاجر المُطِل على المزدَرَع، فيما يقابل إحميم. وله إشراف على بسائط تلك الزروع، وسوارح تلك المواشي. وبإزائه نخل خاص به.

ويجري من النيل خليج طويل المدى، كأنه السيف النقي من الصدى؛ ينتهي إلى ملقة متسعة، وبركة فيها أمداد المياه مجتمعة، شرقي الدير. يفصل بينهما الطريق. ويطلّ على هذه الملقة رابية علية، قد تكونت من فَضَلات الترع المحفورة، والجسور المستجدة.

لا يُرى مثل نزاهته في زمن الشتاء والربيع: يتضاحك في جنباته النُّوَّار، وتخضَرُّ فيه شقاق الزروع، وتكثر فيه مصايد الطير، ويكون من الحسن في غاية تملأ البصر، وتزيد على الخَبَر ومررنا به صحبة السلطان ونزلنا على تلك الرابية. وأشرفت على البركة وفيها قارِبٌ يصاد فيه السمك، ومرت الأطلاب مُزَيَّنَةُ الترك وجياد الخيل. فسُئِلْتُ أن أعمَلَ في مثل هذا شيئا، على رسم ما يقال في الديارات. فقلت:

يوم لنا بالدير، دير الأبيض … قد انقضى وطيبه لم ينقض

قد جئتُه في العسكر المنصور … فغلق الأبواب كالمحصور

ونزل الرهبان بالدبوس … فيه إلى قرارة الديموس


(١) انظر: معجم البلدان ٢/ ٤٩٧ مادة (دير الأبيض).

<<  <  ج: ص:  >  >>