وجاد بما أَحَاوِلُ مِنه سكرا … وكان ممانعي طيف الخيال
دير أبي يوسف (١) وهو قريب من بَلَدٍ. بينه وبينها نحو فرسخ. على شاطئ دجلة. وموضعه حسن معمور بالزيتون والسرو والآس والرياحين، مغروس الرُّبى بالنرجس وهيكله حسن البناء. وفيه عجائب من بدائع التصوير. ولرهبانه جِدَةٌ ونَعَمٌ. ولا يُعوزه كلَّ يوم قافلة تحط عنده لتأخذ خمرا. والمُجان تقصده للتنزه فيه بطنا بيرهم وعيدانهم وسائر ملاهيهم.
قال الخالدي: خرجتُ في بعض السنين إلى بلد، مع كاتب لبعض أمرائنا فأحببتُ الشرب في دير أبي يوسف. فكتبت إليه (٢): [من المتقارب]
بدير أبي يُوسُف خمرة … تَزِيدُ على لَهَبِ البارق
ونَرْجِسُه كنسيم الحَبِيبِ … عنْدَ مُحِب له وامق
فماذا ترى فيه قبل استماع … هماهم ناقوسه الناطق؟
لِتَقْنِ بِكْرًا خَلُوقية … تُخَبِّر عن حكمة الخالق
ففعل. وأقمنا به ثلاثة أيام في ألذ عيش، وأصفى وقت. ثم انحدرنا منه.
دير الشياطين (٣) وهو بالقرب من أوسل، بلدٌ على قطعة من الجبل على دجلة، في موضع حسن وهواؤه رقيق لطيف، وقلاليه عامرة كثيرة الأشجار. وأرضه كثيرة الرياض. وله سور يحيط به، ومشترف على سطح هيكله يُشرف على دجلة والجبل.
وفيه يقول السري الرفاء (٤): [من البسيط]
عصى الرشادَ فَقد ناداهُ مِنْ حِينِ … وراكض الغَيَّ في تلك الميادين
ما حَنّ شَيْطانُه العاتي إلى بلد … إلا ليَقْرُب من دير الشياطين
وفتيةٍ زَهَرُ الآداب بينهم … أبهى وأنضَرُ من زَهْر البساتين
مشوا إلى الرَّاحِ مَشْيَ الرَّنِّ وَانْصَرَفُوا، … والسُّكْر يَمْشِي بهم مَشْيَ الفَرَازِين
حتى إذا أَنْطَقَ الناقوس بينهم … مُزَيَّنُ الخَصْر رومي القرابين
فحت أقداحها بيضُ السَّوالف في … حمر الغلائل في خُضْر الرياحين
كأنها وبياض الماء يَقْرَعُها … وَرْدٌ يصافحه أوراقُ نَسْرِين
(١) انظر: معجم البلدان ٢/ ٤٩٧ مادة (دير أبي يوسف).
(٢) ديوان الخالديين ٧٣.
(٣) انظر: الديارات للشابشتي ١٨٤ - ١٩٠، معجم البلدان ٢/ ٥١٨، مادة (دير الشياطين).
(٤) ديوانه ٢/ ٧٣٤ ٧٣٥.