للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفيه طلسم ظريف: يجتمع له في وقت من السنة الخنافس الصغار اللواتي كالنمل، حتى تسود حيطانه وبيوته وسقوفه وأرضه، مدّة ثلاثة أيام. ثم لا توجد. ولهذا سُمِّي دير الخنافس.

قال الخالدي: وهذا معروف مشهور بالموصل. فإذا كانت تلك الأيام، أخرج الرهبان أمتعتهم منه، هربًا منها.

وقال: ولا أعرف فيه شعرًا إلا ما قاله بعض بني عُروة الشيباني يرثي أخًا له، مات عنده، فدفن إلى جانبه. ومنه: [من الطويل]

بقُرْبكَ يا دير الخَنَافِس حُفرة … بهاماجِدٌ رَحْبُ الذُّراع كَرِيمُ

طَوَتْ منه هَمَّامَ بنَ مُرَّةَ في الرُّبى … لالٌ يُنِيرُ اللَّيْلَ، وهو بَهِيمُ

سَقَاك وسَقَاهُ وسَمّى ضريحه … أَجَشُ من الغُرِّ العَذَابِ هَزِيمُ

فيا دير أحسن ما استطعت جواره، فإني غادٍ عَنكَ، وهُو مُقِيمُ

قال: فنساء بني عُروة جميعا تنوح عليه وعلى موتاهم بهذه الأبيات إلى اليوم؛ وإذا نزلت أحياؤهم به، نحروا عليه وأقاموا مآتم.

دير باعربا (١) - وهو بين الموصل والحَدِيثة، على شاطيء دجلة، من الجانب الغربي. بإزاء جزائر كثيرة الشجر، قلما خلت من سبع. وهو جليل عند النصارى، وفيه قبور يعظمونها. وبناؤه عجيب. وارتفاع حائط هيكله نحو المائة ذراع، ما حوله بناءً يسنده. وله مزارع. وفيه بيت ضيافة ينزله من يجتاز عليه.

قال الشيظمي (٢): لما انحدر سيف الدولة إلى العراق، نزل دير باعربا، وضرب مضربه على شاطئ دجلة، وتغدى ونام. فلما كان وقت العصر دخل الدير، وصعد سطحه. فرأى منظرا حسنا من بره وبحره وعلوّ مشترفه. فاستدعى شرابا، ودعا سقارة العواد، فغناه. وكان معه من الندماء أبو اسحاق اليسريّ. ثم استدعاني، وسقارة يغني بشعر غثّ في وزن بارد. فأمرني بأن أعمل في عروضه، فقلت بعد تمنّع، لكنه لا يجيء فيه الحسن: [من الرمل]

شَرَفًا يا دير عرباء ومجدًا … بهما تُعْنى مدى الدَّهْرِ وتُعْمَرْ

سترى ماءكَ هذا ماءَ وَرْدِ، … وترى صَحْنَك ذا مسكًا وعنبر


(١) انظر: معجم البلدان ٢/ ٤٩٩ مادة (دير باعربا).
(٢) نصر بن خالد الشيظمي، أبو القاسم، شاعر مجيد من معلمي سيف الدولة الحمداني.
ترجمته في: يتيمة الدهر ١/ ١٣٢، الفهرست ١٩٥، بغية الطلب ١٠/ ٤٥٨٤ - ٤٥٨٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>