فأقمنا يومنا ذلك، وبتنا فلما أصبحنا، أراد الكاتب الموصلي أن يذهب. وكان اليوم حسنًا لرقة غينه، وملاحة صحوه. وكان للرجل غلام يحبه، فأراد الركوب إلى ديوانه، فأنشدته أبيات شعر قُلتُها. فأمر بحط سروج بغاله، وأخذنا في شأننا.
ومنها (١): [من المتقارب]
بحمرة وجه لذاك الهلال … وفترة مُقلة ذاك الغزال
صل اليوم بالأمس، إني أرى … له بالسُّعُودِ وجُوهَ اتصال
هواء صَفَا، وهوى مِثْلُهُ … كخمْر دلال وماء زُلالِ
وغيم توهمه كالنَّوى … وصحو حقيقته كالمُحال
ومِثْلُ اليَواقِيتِ زَهْرُ الرُّبي … وقطر الندى بينها كاللآلي
إذا ما دَنَتْ شمسه للذُّبُو … ل، أشرق نواره كالذُبَالِ
وذا الدير تَسْعَى بِعَلانِهِ … شعانينه في صُنُوف الجَمَالِ
وصَفْراء بائعها خاسر، … ولو حاز عن قَدَح بيت مال
أيا با مخايال أفدى تراك … بنَفْسِي، ومالي، وعمي، وخالي
فكم سكرة لِي قَبْلَ الأذا … ن بين دواليبه والدوالي
تجول خُيول دواليبها … فتمْلأُ مَا وَرْدَ ذاك المَجَالِ
وقوله فيه (٢): [من البسيط]
بِما خَيَالٌ إِنْ حَاوَلَتْما طَلَبِي … فَأَنْتُما تَجِدَانِي ثُمَّ مَطْرُوحًا
يا صاحِبِي هُوَ الْعُمْرُ الَّذِي جُمِعَتْ … فِيهِ الْمُنَى، فَاعْدُدُوا لِلدَّيْزِ أَوْ رُوحا
بِرٌّ وَيَخْرُ بِهِ يَهْدِي نَسِيمُها … مِسْكًا بِماءِ الْوَرْدِ مَنْضُوحا
يَجُرُّ صَيَّادَهُ الشَّبُّوطِ مُضْطَرِبًَا … حَبًّا، وَقَابِضُهُ الْيَعْفُورُ مَذْبُوحا
[وَفِيهِ يقولُ أبو حَفْصٍ عمرُ بنُ الشِّحْنَةِ المَوْصِلِيُّ النَّحْوِيُّ، من قصيدةٍ:
وَأَغْمِدْ إِلَى مَرَّ مِيخَائِيلَ فَإِنْ بِهِ … مَحَاسِنًَا لِسُرُورِ النَّفْسِ مِفْتَاحُ
كَمْ فِيهِ مِنْ أَشْعَثَ بَادٍ شُخُوبَتُهُ … تَهَفْهُفُهُ بِنْتُهُ تِلْكَ الْأَكْبَرَاجُ
وفيه يقول أيضًا: [من الكامل]
يا مَرْ مخائيل، وإن بعد المدى، … سُقيتَ صَوْبَ سحائب وبَوَارِقِ
(١) ديوان الخالديين ٨٣ - ٨٤.
(٢) ديوان الخالديين: ٣٥ - ٣٦.