للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فنزلت عليه، وخرجتُ في غد يوم نزوله إليه. فجعل يصف من طيب الهواء فيه وطيب قراءة رهبانه أمرا عظيما. ثم أنشدني لنفسه فيه شعرًا:

ولست أرضاه.

ومما قال الخالدي فيه (١): [من الكامل]

واستَشْرِفَتْ نَفْسِي إِلَى مُسْتَشْرَفٍ … للدير، تاه بحسنه وبطيبه

مُتَفَرِّق آذِى دَجلة تحتَهُ … بغَدِيرِه وخليجه وقليبه

فَنَعِمتُ بين رياضه وغياضه … وسَكِرْتُ بين شُرُوقِه وغُرُوبهِ

عنى الجَمَالُ به فزاد الثَّغْرُ من … تفضيضه، والخَدُّ من تذهيبه

واهتز غصن البان في زنّاره … وأضاء جيد الريم تحت صليبه

وله (٢): [من المتقارب]

فتكت فلا تأخُذَنْ مَنْ فَتَكْ … بما أخَذَ الجهل أو ما ترك

أَدِرْها! السْتَ تَرى الدير في … بدائع من حُلَلٍ لم تُحَكْ؟

وبين البكور وبين الغُروب … وبين الرياض وبين البرك،

غِنَاءٌ تُشَدُّ إليه الرحال، … بلَحْنٍ تُحَلُّ عليه التِّكَكْ

دير مار مخايل (٣) وهو على ميل من الموصل. يركب دجلة في بقعة حسناء. يُطلّ على كروم وشجر. برّي بحري، سهلي جبلي. وبه قلالي كثيرة في غاية الظرف، محفوفة بأنواع الشجر، وأصناف الزهر. وله عيد يكون قبل الشعانين بأسبوع. تخرج إليه النصارى بنسائهم وصبيانهم. ويمر لهم فيه يوم وليلة، تتجاوب فيه ألحان الأغاني وقراءة الرهابين.

وحكي أنه أريد به حفر بئر في بعض قلاليه، فأفضى الحفر إلى صندوق من حجر. فكشف، فإذا فيه ميت لم يتغير من جسمه شيء، وإذا ثيابه صحيحة. وعند رأسه صحيفة من صفر فيها كتابة قديمة لم يقفوا على قراءتها، ولكنهم علموا أن فيها ذكره. وقصد المسلمون انتزاعه منهم. ثم دارت النصارى حتى خُلّي لهم، فردوه إلى مكانه، وعفوا أثره.


(١) ديوان الخالديين ٢٩
(٢) ديوان الخالديين ٧٧.
(٣) انظر: معجم البلدان ٢/ ٥٠٠ مادة (دير بانخايل)، و ٢/ ٥٣١ مادة (دير مانخايل) و ٢/ ٥٣٨ مادة (دير ميخائيل).

<<  <  ج: ص:  >  >>