وقلالي الدير الذي لولا النوى … لم أَرْمِها بقلى ولا بعُقُوقِ
محمرة الحيطانِ يَنْفَح طيبها … فكأَنَّها مَبْنِيَّةٌ بخَلوق
فمتى أزورُ بَناتِ مُشرفة الذرى … فأرود بين النَّسْرِ والعَيوقِ؟
وأرى الصوامع في عَوارِبِ أُكُمها … مثل الهوادج في غَوَارِب نُوقِ؟
حمر تلوح خلالها بيض كما … فَصَّلْتَ بالكافُورِ سِمْطَ عَقِيقِ
وحكى ابن المستوفي في تاريخ إربل، في ترجمة أبي حفص، عمر بن محمد بن الشحنة الموصلي النحوي، أنه نقل من مجموع بخطه، قال: كنتُ في يوم من أيام الربيع بدير في ظاهر الموصل، يعرف بدير سعيد. وكان فيه راهب من النبل، كنتُ آوي إليه إذا جئتُ الدير. فاتفق في ذلك اليوم أني خرجت من قلايته إلى بستان الدير ومعي جماعة من الكتاب، كنت أنس بهم. ونحن على لذتنا، وإذا قد أتانا رجُلٌ، فجلس واندفع يغني، ويقول هذا الصوت في الموضع الفلاني، ليرينا أنه يعرف صنعة الغناء. فأبرمني وأبرم الجماعة، واستثقلناه فسألني بعض الجماعة أن أقول فيه على طريق العبث شيئًا.
فعملت في الحال: [من الطويل]
ثقيل يُصِمُّ السمع من قُبْحِ صَوْتِهِ … وتعمى له أبصارنا والبصائر
ولو لم يكن فوقَ البسيطة لم تَزَلْ … مزلْزَلةٌ بطنانها والظواهر
تغنى فقلنا: هاتِفُ البَيْنِ قد دَعَا … بفُرْقَتِنا أو ريب دهر مبادر
فيا ليت أن الله لم يك خالقي … ويا ليته دارت عليه الدوائر
الدير الأعلى (١) - وهو بالموصل، في أعلى جبل، تُطِلّ على دجلة. يضرب المثل به في رقة الهواء، وحسن المُستشرف تحته. والجزائر تتفرق خُلْجانها وغُدْرانها بإزائه. ولم تزل الولاة تخرج إليه للطف الهواء، والنظر إلى الماء. ويقال: إنه ليس للنصارى دير مثله. وظهر عنده معادن الكبريت والمرقشيئا والقلفطار وأشياء من هذه الأنواع. ثم صانعت النصارى حتى أُبِطلَتْ، خوفًا من تثقيل السلطان.
قال جعفر بن محمد الفقيه: اجتاز بنا بعض السنين أبو الحسين بن أبي البغل (٢)،
(١) انظر: الديارات للشابشتي ١٧٦ - ١٨٠، وذيله ٣٧٤ - ٣٧٥، معجم البلدان ٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩ مادة (دير الأعلى)، والديارات لأبي الفرج ٤٤ - ٤٧.
(٢) محمد بن أحمد بن يحيى، أبو الحسين، ابن أبي البغل، ولي ديوان الخراج والضياع بأصفهان سنة ٣٠٠ هـ، وكان بليغًا مترسلًا فصيحًا، وشاعرًا مجوّدًا.
ترجمته في: معجم الأدباء ط الغرب - بيروت/ ٦/ ٢٤٣٨، تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء للصابي ٥١، ٢٩١ - ٢٩٩.