قال ابن أبي أصيبعة (١): من المتميزين في صناعة الطب، والأفاضل من أهلها، والأعيان من أربابها. ومرض الناصر لدين الله بالرمل، وعرضت له في المثانة حصاة كبيرة مفرطة في الكبر واشتد به الألم وطال المرض وضجر من العلاج. فأشير عليه بأن يشق المثانة لإخراج الحصاة، فسأل عن جرائحي حاذق، فقيل له ابن عكاشة، فأحضر وشاهد العضو العليل وأمر ببطه. فقال: أحتاج أن أشاور مشايخ الأطباء في هذا. فقال له: فمن تعرف من صالحيهم؟ فقال: أبو نصر المسيحي فإنه ليس في البلاد بأسرها من يماثله. فطلبه فلما حضر قال له: اجلس، فجلس ساعة ولم يكلم ثم قال له الناصر: يا أبا نصر، مثل نفسك أنك قد دخلت إلى البيمارستان وأنت تباشر به مريضًا قد ورد من بعض الضياع، وأريد أن تباشر مداواتي وتعالجني من هذا المرض كما تفعل بمن هذه صفته. فقال: السمع والطاعة ولكني أريد أن أعرف من هذا الطبيب المتقدم مبادئ المرض وأحواله وتغيراته، وما عالج به منذ أول المرض وإلى الآن.
فأحضر الشيخ أبو الخير وأخذ يذكر له ابتداءات المرض وتغير أحواله وما عالج به من أول المرض وإلى آخر وقت. فقال: التدبير صالح، والعلاج مستقيم. فقال الخليفة: هذا الشيخ أخطأ ولا بد لي من صلبه. فقام أبو نصر المسيحي وقبل الأرض، وقال: يا مولانا، بحق الله عليك وبمن مضى من أسلافك الطاهرين لا تسن على الأطباء هذه السنة؛ وأما الرجل فلم يخطئ في التدبير، ولكن لسوء حظه لم ينته المرض. فقال: قد عفوت عنه، ولكن لا يعود يدخل علي فانصرف، ثم أخذ أبو نصر في مداواته، فسقاه ودهن العضو بالأدهان الملينات، وقال له: إن أمكن أنا نلاطف الأمر بحيث نخرج هذه الحصاة من غير بط فهو المراد، وإن لم تخرج فذلك لا يفوتنا. فلم يزل كذلك يومين، وفي ليلة اليوم الثالث رمى الحصاة، فقيل: إنه كان وزنها سبعة مثاقيل، وقيل خمسة، وقيل إنها كانت على مقدار أكبر نواة من نوى الزيتون. وتتابع الشفاء، ودخل الحمام، فأمر أن يدخل أبو نصر إلى دار الضرب، ويحمل من الذهب ما يقدر عليه، ففعل به ذلك. ثم أتته الخلع والدنانير من أم الخليفة ومن ولديه الأميرين محمد وعلي، والوزير نصير الدين بن مهدي العلوي الرازي، ومن سائر كبار الأمراء بالدولة. فأما أم الخليفة وأولاده والوزير والشرابي نجاح، وكان واحد من الدنانير ألف دينار، وكذلك من أكابر الأمراء، والباقين على قدر أحوالهم. فأخبرت أنه حصل من