ونقلت من خط أبي سعيد الحسن بن أحمد بن علي في كتاب «ورطة الأجلاء من هفوة الأطباء». قال: كان الوزير علي بن بلبل ببغداد، وكان له ابن أخت فلحقته سكتة دموية، وخفي حاله على جميع الأطباء، وكان بينهم صاعد بن بشر حاضرًا، فسكت حتى أقر جميع الأطباء بموته، ووقع اليأس من حياته، وتقدم الوزير في تجهيزه، واجتمع الخلق في العزاء، والنساء في اللطم والنياح، ولم يبرح صاعد بن بشر من مجلس الوزير. فعند ذلك قال الوزير لصاعد بن بشر الطبيب: هل لك حاجة؟ فقال له: نعم يا مولانا، إن رسمت وأذنت لي، ذكرت ذلك. فقال له: تقدم وقل ما يلج في صدرك؟ فقال صاعد: هذه سكتة دموية، ولا مضرة في إرسال مبضع واحد وننظر، فإن نجح كان المراد، وإن تكن الأخرى فلا مضرة فيه ففرح الوزير، وتقدم بإبعاد النساء، وأحضر ما وجب من التمريخ والنطول والبخور والنشوق، واستعمل ما يجب من شد عضد المريض، وأقعده في حضن بعض الحاضرين، وأرسل المبضع بعد التعليق على الواجب من حاله، فخرج الدم ووقعت البشائر في الدار. ولم يزل يخرج الدم حتى استتم ثلثمائة درهم من الدم، فانفتحت العين ولم ينطق، فشد اليد الأخرى ونشقه ما وجب تنشيقه. ثم فصده ثانيًا وأخرج مثلها من الدم وأكثر فتكلم، ثم أسقي وأطعم ما وجب، فبرئ من ذلك، وصح جسمه وركب في الرابع إلى الجامع، ومنه إلى ديوان الخليفة، فدعا له ونثر عليه من الدراهم والدنانير الكثيرة. وحصل لصاعد بن بشر الطبيب مال عظيم، وحشمه الخليفة والوزير وقدمه وزكاه؛ وتقدم على جميع من كان في زمانه.
ووجدت صاعد بن بشر قد ذكر في مقالته في مرض المراقيا ما عاينه في ذلك الزمان من إهن وجدها، ومخاوف شاهدها، ما هذا نصه. «وانه عرض لنا من تضايق الزمان علينا، والتشاغل بالتماس الأمر الضروري، ولما قد شملنا من الخوف والحذر والفزع، واختلاف السلاطين؛ وما قد بلينا به، مع ذلك، من التنقل في المواضع غربيها وشرقيها؛ ولما قد أظلنا من الأمور المخوفة التي لا نرجو في كشفها إلا الله تقدس اسمه».
هذا ما ذكر. وما كان في أيامه إلا اختلاف ملوك الإسلام بعضهم مع بعض، وكان الناس سالمين في أنفسهم آمنين من القتل والسبي، فكيف لو شاهد ما شاهدنا ونظر ما نظرنا في زماننا من التتر الذين أهلكوا العباد، وخربوا البلاد، وكونهم إذا أتوا إلى مدينة فما لهم إلا قتل جميع من فيها من الرجال، وسبي الأولاد والنساء، ونهب الأموال، وتخريب القلاع والمدن لكان استصغر ما ذكره، واستقل ما عاينه وحقره. ولكن ما طامة إلا فوقها طامة أعظم منها؛ ولا حادثة إلا وغيرها تكبر عنها؛ ولله الحمد على الإسلام والعافية (١).
ومنهم:
(١) إلى هنا ينتهي النقل من عيون الأنباء ٣١٣ - ٣١٥.