للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ذكره ابن أبي أصيبعة فقال (١): كان طبيبًا فاضلًا كثير الدراية، وافر العلم، بارعًا في الصناعة، موفقًا في المعالجة، مطلعًا على أسرار الطب. وكان مع ذلك ضنينًا بما يحسن.

نقلت من خط ابن بطلان، قال: كان قد اسكت أبو طاهر بن بقية في داره الشاطئة على الجسر ببغداد، وقد حضر الأمير عز الدولة بختيار، والأطباء مجمعون على أنه قد مات. فتقدم أبو الحسن الحراني، وكنت أصحبه يومئذ، فقال: أيها الأمير إذا كان قد مات، فلن يضره الفصاد، فهل تأذن لي في فصده؟ قال له: افعل يا أبا الحسن. فقصده، فرشح منه دم يسير. ثم لم يزل يقوى الرشح إلى أن صار الدم يجري، فأفاق الوزير فلما خلوت به سألته عن الحال، وكان ضنينًا بما يقول، فقال: إن من عادة الوزير أن يستفرغ في كل فصل ربيع دمًا كثيرًا من عروق المقعدة، وفي هذا الفصل انقطع عنه، فلما فصدته ثابت القوة من خناقها.

قال عبيد الله بن جبريل: لما دخل عضد الدولة، ، إلى بغداد كان أول من لقيه من الأطباء أبو الحسن الحراني، وكان شيخًا مسنًا، وسنان وكان أصغر من أبي الحسن؛ وكانا عالمين، فاضلين، وكانا جميعًا يسعدان المرضى، ويمضيان إلى دار السلطان، فحسن ثناؤه عليهما. ولما دخلا إلى عضد الدولة قال: من هؤلاء؟ قالوا: الأطباء. قال: نحن في عافية، وما بنا حاجة إليهم. فانصرفا خجلين. فلما خرجا إلى الدهليز، قال سنان لأبي الحسن: يجمل أن ندخل إلى هذا الأسد؛ ونحن شيخان فيفترسنا؟ قال له أبو الحسن: فما الحيلة؟ قال: نرجع إليه، وأنا أقول ما عندي، وننظر أيش الجواب قال: افعل. فاستأذنا ودخلا. فقال سنان: أطال الله بقاء مولانا، موضوع صناعتنا حفظ الصحة لا مداواة الأمراض. والملك أحوج الناس إليه. فقال له عضد الدولة: صدقت. وقرر لهما الجاري السني وصارا ينوبان مع أطبائه.

قال عبيد الله بن جبريل: ولهم أحاديث كثيرة حسنة، فيها حديث قلاء الكبود. وذلك أنه كان بباب الأزج إنسان يقلي الكبود، فكانا إذا اجتازا عليه دعا لهما وشكرهما، وقام لهما حتى ينصرفا عنه. فلما كان في بعض الأيام اجتازا فلم يرياه،


= ترجمته في عيون الأنباء ٣٠٧ - ٣١١، أخبار العلماء ١١١، والفهرست ٣٠٣، وتاريخ مختصر الدول لابن العبري ١٧٣ - ١٧٤ وفيه وفاته سنة ٣٦٩، والوافي بالوفيات ١٠/ ٤٦٥ رقم ٤٩٧٠، وتاريخ الإسلام (السنوات ٣٥١ - ٣٨٠ هـ) ص ٣٥٦، الأعلام ٢/ ٩٧، وأعلام الحضارة ١/ ١٨٦ - ١٨٧ رقم ١٢٢، ومعجم المؤلفين ٣/ ٩٩، وتاريخ تراث العلوم الطبية ١٨٥ - ١٨٦.
(١) عيون الأنباء ٣٠٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>