للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأجراسه، فقيل: هذا يزيد بن مقبل يريد العراق، فأحضر طبقًا من فضة فيه رطب أزاذ فعجب من تمنيه وما تم له. فأكلا وشربا من الماء ونهضا وتودع المأمون وأقال، ثم نهض محمومًا، وفصد فظهرت في رقبته نفخة كانت تعتاده ويراعيها الطبيب إلى أن تنضج وتفتح وتبرأ. فقال المعتصم للطبيب، وهو ابن ماسويه، ما أظرف ما نحن فيه تكون الطبيب المتفرد المتوحد في صناعتك، وهذه تعتاد أمير المؤمنين، ولا تزيلها عنه، وتتلطف في حسم مادتها حتى لا ترجع إليه! والله لئن عادت هذه العلة عليه لأضربن عنقك. فاستطرق ابن ماسويه لقول المعتصم وانصرف، فحدث به بعض من يثق به ويأنس منه فقال: تدري ما قصد المعتصم؟ قال: لا. قال: قد أمرك بقتله حتى لا تعود النفخة إليه، وإلا فهو يعلم أن الطبيب لا يقدر على دفع الأمراض عن الأجسام، وإنما قال لك لا تدعه يعيش ليعود المرض عليه فتعالل ابن ماسويه وأمر تلميذًا له بمشاهدة النفخة والتردد إلى المأمون نيابة عنه، والتلميذ يجيئه كل يوم ويعرفه حال المأمون، وما تجدد له، فأمره بفتح النفخة، فقال: أعيذك بالله، ما احمرت ولا بلغت إلى حد الجرح، فقال له: امض وافتحها كما أقول لك ولا تراجعني. فمضى وفتحها، ومات المأمون .

أقول: إنما فعل ابن ماسويه ذلك؛ لكونه كان عديم المروءة وعديم الدين والأمانة، وكان على غير ملة الإسلام، ولا له تمسك بدينه أيضًا كما حكى عنه يوسف بن إبراهيم في أخباره المتقدمة. ومن ليس له دين يتمسك به ويعتقد فيه فالواجب أن لا يدانيه عاقل ولا يركن إليه حازم.

وكانت وفاة يوحنا بن ماسويه بسر من رأى يوم الاثنين لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين ومائتين في خلافة المتوكل.

ومن كلام يوحنا بن ماسويه: سئل عن الخير الذي لا شر معه فقال: القليل من الشراب الصافي.

ثم سئل عن الشر الذي لا خير معه فقال: نكاح العجوز.

وقال: أكل التفاح يرد النفس.

وقال: عليك من الطعام بما حدث، ومن الشراب بما عتق (١).

ومنهم:


(١) إلى هنا ينتهي النقل من عيون الأنباء ٢٤٦ - ٢٥٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>