للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ابني عبد الملك، وقد رغب أبوك في مصاهرته. فتزوج أخته ورغبت أنا وأخوك في مثل ذلك منه فتزوجت ابنته، وهو مع ذلك صحابي لجدك وأبيك، ولأخيك وأخيك، فلا توجب على نفسك عيادته؟ ثم أمرني بالمصير إليه لعيادته، فنهضت وأخذت معي متطببي يزيد وصرت إليه. فدخلت على رجل توهمت أنه في آخر حشاشة بقيت من نفسه، ولم أر فيه للمسألة موضعًا. فأمر يزيد متطببي بإحضار متطببه فحضر، فسأله عن حاله فأخبر أنه يقوم في اليوم والليلة مائة مجلس. وأقبل يزيد يسأل المتطبب عن باب باب من الأدوية التي تشرب والسفوفات والحقن، فلم يذكر لذلك المتطبب شيئًا إلا أعلمه أنه قد عالجه به فلم ينجح فيه. فوجم عند ذلك يزيد مقدار ساعة، وقال: قد بقي شيء واحد أن أعمل به رجوت أن ينتفع به، وإن لم ينجع فلا علاج له.

قال أبو إسحاق: فرأيت ثمامة قد قويت نفسه عندما سمع من يزيد ما سمع ثم قال: وما ذلك الشيء الذي بقي، متعت بك؟ قال له: شربة اصطمخيفون. فقال ثمامة: أحب أرى هذه الشربة حتى أشم رائحتها. فأخرج يزيد من كمه منديلًا فيه أدوية، وفيه شربة اصطمخيفون. فأمر بها ثمامة فحلت، ثم أتى بها فرمى بها في فيه وابتلعها. فوالله ما وصلت إلى جوفه حتى سمعت منه أصواتًا لم أشك في أني لم أبلغ باب داره إلا وقد مات. فنهضت ومتطببي معي، وما أعقل غمًا. وأمر خادمًا لي يكون يحمل معي الاسطرلاب إذا ركبت بالمقام في داره، وتعرف خبر ما يكون منه. فتخلف، فوافاني كتاب الخادم بعد الزوال يعلمني أنه قام من بعد طلوع الشمس إلى زوالها خمسين مرة فقلت: تلفت والله نفس ثمامة. ثم وافى كتاب الخادم بعد غروب الشمس أنه قام منذ زوال الشمس إلى غروبها عشرين مجلسًا. ثم صار إليَّ الغلام مع طلوع الشمس، فذكر أنه لم يكن منه منذ غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا ثلاثة مجالس، ولم يكن منه إلى وقت طلوع الفجر شيء. فركبت إليه بعد أن صليت الغداة فوجدته نائمًا، وكان لا ينام، فانتبه إلي وسألته عن خبره، فأخبرني أنه لم يزل في وجع من جوفه مانع له النوم والقرار منذ أكثر من أربعين ليلة حتى أخذ تلك الشربة. فلما انقطع فعل الشربة انقطع عنه ذلك الوجع، وأنه لم يشته طعامًا منذ ذلك الوقت وأنه ما يصبر في وقته من غلبة الجوع عليه. وسأل الإذن في الأكل، فأذن له يزيد في أكل اسفيذاج قد طبخ في فروج كسكري سمين، ثم اتباعها زيرياجة، ففعل ذلك. وصرت إلى الرشيد فأخبرته بما كان من أمر ثمامة. فأحضر المتطبب وقال له: ويحك كيف أقدمت على إسقائه حب الأصطمخيفون؟ فقال: يا أمير المؤمنين هذا رجل كان في جوفه دواء ولا غذاء إلا أفسده الكيموس. وكان كلما فسد من تلك الأدوية والأغذية صار مادة لذلك الفساد،

<<  <  ج: ص:  >  >>