ارجعي إليه واستقصي المسألة. فرجعت فقال لها: ما قلت إلا الحق. فلما كان بعد أربعين يومًا أحست الخيزران بالحمل، فوجهت إليه ببدره دراهم، وكتمت الخبر عن المهدي. فلما مضت الأيام ولدت موسى الهادي. فأعلمت المهدي وقاله له: إن طبيبًا على الباب أخبر بهذا منذ تسعة أشهر. وبعثت إليه بتحف كثيرة، وبلغ هذا جرجس، فأكذبه ثم حبلت بأخيه هرون الرشيد. فقال جرجس للمهدي: جرب أنت هذا الطبيب! فوجه إليه بالماء فلما رآه قال: هذا ماء ابنتي أم موسى، وهي حبلى بغلام آخر. فأثبت المهدي ذلك عنده فلما مضت الأيام، ولدت هارون، فلم يزل يطرح عليه الخلع وبدر الدراهم والدنانير حتى علت رأسه وصير موسى وهارون في حجره، وكناه أبا قريش لعينهما. وقال لجرجس: هذا شيء أنا بنفسي جربته. ثم صار نظير جرجس في الرتبة، وخلف اثنين وعشرين ألف دينار مع نعمة سنية.
وكثر تخم عيسى بن جعفر المنصور حتى كان يأتي على نفسه، فغم لذلك الرشيد، وقال لأبي قريش، فقال له: يا أمير المؤمنين إنه رزق معدة صحيحة، وبدنًا قابلًا، ودهرًا مسالمًا، والأبدان ما لم تختلط على أصحابها في أحوالهم لا يؤمن عليهم منها التلف، وإن لم تنظر له في موجدة تجدها عليه أو أحد عزيز عليه من حرمه، لم تأمن عليه، فقال: لا حيلة عندي في الموجدة عليه، ولكن احتل أنت، فذهب إليه، ثم جس عرقه وأعلمه أنه يضطر إلى محنته ثلاثة أيام قبل العلاج، فأمره بذلك، فلما فرغ منه في اليوم الثالث، قال له: إن الوصية مباركة، وهي غير مقدمة لأجل ولا مؤخرة له، فإن رأى الأمير أن يعهد، فإن لم يحدث حادث قبل أربعين يومًا عالجته في ذلك بعلاج لا يمضي عليه ثلاثة أيام حتى يبرأ، ونهض وقد امتلأ قلب الرجل فانحط كثير من لحمه، واستتر أبو قريش خوفًا من إفشاء الخبر، فلما كان يوم الأربعين صار إلى الرشيد، وقال: لا شك في نقصان بدن عيسى، فركب إليه الرشيد ودخل عليه ومعه أبو قريش، فوجدوا لحمه قد نقص نقصًا كثيرًا، فقال له عيسى بن جعفر: أطلق لي يا أمير المؤمنين قتل هذا الكافر، فقد قتلني بما أدخل علي من الروع، فقال له: يا أخي متعت بك بأبي قريش ردت إليك الحياة بعد الموت فاشكر الله، فنعم الحيلة احتال لك، وقد أمرت له بعشرة آلاف دينار، فأوصل أنت إليه مثلها، ففعل وانصرف أبو قريش إلى منزله بالمال، ولم يرجع إلى عيسى بن جعفر الشحم إلى أن فارق الدنيا (١).
ومنهم:
(١) إلى هنا ينتهي النقل من عيون الأنباء ٢١٥ - ٢١٨.