للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الحارة أن يأكل مع طعامه خردلًا، فمنعه الأطباء من ذلك لحدة مزاجه، وحرارة كبده وغائلة الخردل. فقال بختيشوع: أنا أطعمك إياه وإن ضرك علي! فقال: افعل. فأمر بإحضار قرعة وجعل عليها طينًا وتركها في تنور واستخرج ماءها وأمر بأن يقشر الخردل ويضرب بماء القرع. وقال: إن الخردل في الدرجة الرابعة من الحرارة، والقرع في الدرجة الرابعة من الرطوبة فيعتدلان، فكل شهوتك. وبات تلك الليلة ولم يحس بشيء من الأذى، وأصبح كذلك. فأمر بأن يحمل إليه ثلاثمائة ألف درهم وثلاثون تختًا من أصناف الثياب.

قال إسحاق بن علي الرهاوي، عن عيسى بن ماسة قال: رأيت بختيشوع بن جبريل وقد اعتل، فأمر أمير المؤمنين المتوكل المعتز أن يعوده وهو إذ ذاك ولي عهد. فعاوده ومعه محمد بن عبد الله بن طاهر ووصيف التركي قال: وأخبرني إبراهيم بن محمد المعروف بابن المدبر أن المتوكل أمر الوزير شفاهًا، وقال له: اكتب في ضياع بختيشوع؛ فإنها ضياعي وملكي، ومحله منا محل أرواحنا من أبداننا.

وقال عبيد الله بن جبريل بن عبد الله بن بختيشوع: هذا المذكور مما يدل على منزل بختيشوع عند المتوكل وانبساطه معه. قال: من ذلك ما حدثنا به بعض شيوخنا، أنه دخل بختيشوع يومًا إلى المتوكل وهو جالس على سدة في وسط دار الخاصة، فجلس بختيشوع على عادته معه على السدة، وكان عليه دراعة ديباج رومي، وقد انفتق ذيلها قليلًا، فجعل المتوكل يحادث بختيشوع، ويعبث بذلك الفتق إلى أن بلغ إلى حد النيفق. ودار بينهما كلام اقتضى أن سأل المتوكل بختيشوع: بماذا تعلم أن المشوّش يحتاج إلى الشد والوثاقة؟ قال: إذا بلغ في فتق دراعة طبيبه إلى حد النيفق شددناه. فضحك المتوكل حتى استلقى على ظهره، وأمر له في الحال بخلع سنية ومال جزيل.

وقال أبو الريحان البيروني في كتاب «الجماهر في الجواهر» (١): «إن المتوكل جلس يومًا لهدايا النيروز، فقدم إليه كل عِلْق نفيس؛ وكل طريف فاخر. وإن طبيبه بختشوع بن جبريل دخل - وكان يأنس به - فقال له: ما ترى في هذا اليوم؟ فقال: لي مثل خرباشات (٢) الشحاذين إذ ليس قدروا قبل على ما معي، ثم أخرج من كمه درج أبنوس مطليًا بالفضة وفتحه عن حرير أخضر انكشف عنه ملعقة كبيرة جوهر، لمع منها شهاب، ووضعها بين يديه، فرأى المتوكل ما لا عهد له بمثله، وقال: من أين


(١) الجماهر في الجواهر ١٢٨ - ١٢٩.
(٢) الخربشة: إفساد العمل والكتاب ونحوه.

<<  <  ج: ص:  >  >>