من تلك الأموال شيئا، وإلي صارت، فبنيت بها هذا المسجد. ثم وهبه شيئًا.
وقال أبو قُصَيّ العُذري (١): وحسبوا ما أنفقوا على مسجد دمشق، فكان أربعمائة صندوق، في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار. وبلغ الوليد أنهم تكلموا، فقال: يا أهل دمشق إني رأيتكم تفخرون بمائكم وهوائكم وفاكهتكم وحماماتكم، فأحببت أن يكون مسجدكم الخامس.
وقال خالد بن تبوك (٢): اشترى الوليد العمودين الأخضرين اللذين تحت النسر من حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية بألف وخمسمائة دينار.
وقال أحمد بن إبراهيم الغساني: حدثنا أبي عن أبيه عن زيد بن واقد، قال: وكلني الوليد على العُمَّال في بناء مسجد دمشق، فوجدنا فيه مغارة، فعرفنا الوليد ذلك. فلما كان الليل وافي، والشموع تزهر بين يديه، فنزل. فإذا كنيسة لطيفة: ثلاثة أذرع في ثلاثة؛ وإذا فيها صندوق. فإذا فيه سَفَط، وفي السَّقَط رأسُ يحيى بن زكريا. فأمر به الوليد، فردّ إلى المكان. وقال اجعلوا العمود الذي فوقه مغيرا من الأعمدة. فجعل عليه عمود مسفط الرأس.
وقال ابن البرامي (٣): سمعت أبا مروان عبد الرحيم بن عمر المازني يقول: لما كان في أيام الوليد وبنائه المسجد، احتفروا فيه فوجدوا بابًا مغلقًا. فأتى الوليد، ففتح بين يديه. فإذا مغارة فيها تمثال رجل على فرس، وفي يده الواحدة الدرة التي كانت في المحراب، ويده الأخرى مقبوضة. فأمر بها، فكسرت. فإذا فيها حبتان: حبة قمح وحبة شعير. فسأل عن ذلك، فقيل له: لو تركت الكف، لم يسوس في هذه المدينة قمح ولا شعير.
قلت: وحكى لي شيخنا أبو عبد الله محمد بن أسد النجار الحراني الكاتب المجود، وكان يباشر به بعض العمائر، أنه فتح في حضرته الشرقية المعروفة بتحت الساعات لكشف قُنِيّ الماء. فإذا تحت المسجد أقباء معقود وعمد منصوبة يفرق بينهما عضائد محكمة، قد أحكم بناؤها، وشُدّت في سلاسل الأساس معاقدها. قد بنيت بالصُّفَّاح (٤) والعمد، والبناء الذي ما هو في قدرة أحد قال: ودخلناها وجلنا في جوانبها.
(١) تاريخ دمشق ٢/ ٣٥. (٢) تاريخ دمشق ٢/ ٣٦. (٣) تاريخ دمشق ٢/ ٤٦. (٤) الصفاح: حجارة عراض كما في اللسان. وقد استعملها كتاب الأندلس بمعنى الصخور (راجع درزي في تكملة المعجمات العربية). فلعل ابن فضل الله جرى في هذا المقام على هذا الاصطلاح. (زكي).