الأضالع المعروفة بالساعات، وفيها راهبٌ يأوي في صعومعة. فأحدره من الصومعة. فأكثر الراهب كلامه. فلم تزل يد الوليد تدق في قفاه حتى أحدره من المنارة.
ثم هم بهدم الكنيسة. فقال له جماعة من نجاري (١) النصارى: ما نجسر على هدمها. فقال: أتخافون؟ هاتِ المِعْوَل يا غلام! ثم أتي بسُلّم فنصبه على محراب المذبح (٢). وصعد فضرب بيده حتّى أثّر فيه أثرا كبيرا. ثم صعد المسلمون فهدموه؛ وأعطاهم الوليد مكان الكنيسة الكنيسة التي بحمام القاسم، حذاء دار أم البنين في الفراديس.
قال يحيى بن يحيى: أنا رأيت الوليد فعل ذلك بكنيسة مسجد دمشق.
وروى الوليد بن مسلم عن ابن جابر وغيره، قال (٣): لما كان الوليد وأراد بناء المسجد، فقال إنا نريد أن نزيد في مسجدنا كنيستكم هذه، ونعطيكم عوضها حيث شئتم. وإن شئتم أعطيتكم ثمنها، وأضعف لكم الثمن. فأَبَوْا ذلك، وقالوا: لنا ذمّةٌ وعهد. والله إنا لنجد ما يهدمها أحد، إلا جُنَّ! قال: فأنا أوّل مَنْ يهدمها. فقام وعليه قباء أصفر فضرب، وهدم الناس معه.
قال أحمد بن المُعَلَّى (٤): فأخبرني شيبة بن الوليد، قال حدثني أبي، قال: كنت أمر بعبد الرحمن بن عامر اليحصبيّ، وهو شيخ كبير أزرق، وهو جالس بالروضة، فيقول لي: ألا تأتي حتى أكتب لك ارتجاز جدّك وهو يضرب بالفأس في الكنيسة بعد الوليد؟ قلت: نعم، ولكن حدثني الحديث. فقال: لما عزم الوليد على هدم الكنيسة، قالوا إنه لا يهدمها أحدٌ إلا جُنَّ. فقام جدّك يزيد بن تميم فجمع له وجوه أهل البلد. وأمره الوليد أن يتخذ فأسا صغيرة. ففعل. ثم خرج الوليد وتبعه وجوه أهل البلد حتّى علا الكنيسة. ثم التفت إلى يزيد بن تميم، فقال: أين الفأس؟ فأتاه به. فقال إن هؤلاء الكفرة يزعمون أن أوّل مَنْ يهدمها يُجَنِّ؛ وأنا أوّل من يُجَنُّ في الله. وأخذ برقبة قبائه فوضعها في منطقته. ثم أخذ الفأس فضرب به ضربات. ثم ناوله جدك فضرب به بعده، وتناول الفأس كل من حضر (٥).
(١) العرب تقول للرجل نجار، وإن كان لا يعمل بالمثقب والمنشار ونحوه، ولا يضرب بالمضلع ونحو ذلك، انظر: كتاب «الحيوان» للجاحظ ٤/ ٢٦ (زكي). (٢) هو الذي سماه «الشاهد» في الرواية المتقدمة للصفحة السابقة (زكي). (٣) تاريخ دمشق ٢/ ٢٢. (٤) تاريخ دمشق ٢/ ٢٢. (٥) لم يورد صاحب تأريخ دمشق الرجز الذي أشار إليه في صدر الكلام.