والمقصود بالزيارة قصد الوجوب. وبه الحجر الأسود الذي هو يمين الله في أرضه، [والشاهد لمن حجّ وقبله بأداء فرضه. سماء الدعاء، وحَرَمُ تحريم الدماء. يأمن به الحمام ساكنا، ومَنْ دَخَلَه كان آمنا](١).
وعن أبي ذر الغفاري. قال:«قلت يا رسول الله: أيُّ مسجد وضع في الأرض؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة. رواه البخاري، وأبو عروبة وزاد: وأينما أدركتك الصلاة فهو مسجد»(٣).
قال ابن جرير الطبري (٤): اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ (٥) فقال بعضهم: تأويله «إن أوّل بيت وضع للناس يُعبد الله فيه مباركا وهدى للعالمين للذي ببكة». قالوا: وليس هو أوّل بيت وضع في الأرض، لأنه قد كان قبله بيوت كثيرة. ثم أسند هذا القول عن عليّ بن أبي طالب والحسن ومَطَر وسعيد (وأظنه ابن جبير) ثم قال: وقال آخرون: بل هو أول بيت وضع للناس. واختلف هؤلاء في صفة وضعه أوَّلَ. فقال بعضهم: خلقه قبل الأرض، ثم دحيت الأرض من تحته. وأسند هذا عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان عرشه على الماء على زبدة بيضاء، فدحيت الأرض من تحته. ونحوه عن مجاهد وقتادة والسُّدِّيّ. وقال آخرون: موضع الكعبة موضع أوّل بيت وضعه الله في الأرض. وأسند عن قتادة قال: ذكر لنا أن البيت هبط مع آدم. وحين أُهبط قال الله: أُهبط. معك بيتي يُطاف به كما يُطاف حول عرشي. فطاف حوله آدم ومن كان بعدة من المؤمنين. حتّى إذا كان زمن الطوفان، رفعه الله وطهره من أن تصيبه عقوبة أهل الأرض. فصار معمورا في السماء. ثم إن إبراهيم تتبع منه أثرا بعد ذلك، فبناه على أساس قديم كان قبله. وقوله تعالى: ﴿لَلَّذِي ببَكَة﴾ يعني للبيت الذي ببكة.
(١) ما بين المعقوفتين من هامش الأصل. (٢) سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧. (٣) صحيح البخاري رقم ١٣٨٦، ٣٢٤٣. (٤) جامع البيان في تفسير القرآن ٤/ ٦. (٥) سورة آل عمران: الآية ٩٦.