للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الحرم، وضيف ذلك الكرم، وجليس ذلك المحراب المعمور، وأنيس ذلك المكان المتألق مع وجود ذلك النور المتقلل من كثير الدنيا، والموفي بنذره في طلب العليا، المناجي بلسانه الخليل: «أن يا إبراهيم صدقت الرؤيا» المنقطع إلى من تسمى باسمه إبراهيم، المجمع على أنه لا يرحل عن جواره الكريم الذي شاد، وما خلت البقاع، واشرق، وما أطل فرع الليل البهيم.

قرأ بالسبع على أبي الحسن الوجوهي صاحب الفخر الموصلي، وبالعشر على المنتجب بن حسن التكريتي. وروى القراءات بالإجازة، وتصدر للإقراء دهرًا، وصنّف التصانيف الرائعة في فنون العلم، وهاجر إليه الطلبة من الآفاق، وله شرح الشاطبية كامل في معناه، وآخر للرائية، ونظم في السبع، والعشر، والرسم، والتجويد. وله نحو من مائة مصنف.

ولد في حدود سنة أربعين وستمائة، أو قبلها بقلعة جعبر، واشتغل ببغداد، ثم قدم دمشق، فنزل بالشميساطية، وأعاد بالغزالية، ثم ولي مشيخة حرم الخليل بعد البديع، فبقي هناك إلى أن توفي في شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة.

ومنهم:

[٤٩] حمد بن بضخان بن عين الدولة الإمام بدر الدين بن السراج (١)

متقدم بالعلم لا بالزمان، ومفضّل يحتج به أهل الإيمان، ومحلًا ورده للطالب

لا يردّ عنه بغلته ظمآن، ومهنأ بفضل ما أوتي لا يضره فيه أهل الشنان، وله في الموسيقى ما يقرع له العود، ويقرّ له الحسود، ويقرّر أنه ما غاب نصيبه مما قيل له: اعملوا شكرًا آل داود (٢)، إلا أنه لم يكن معتدل المزاج، ولا معتد الجسم للعلاج، الإفراط سوداء به منعته من المآكل كل بيضاء شحمه، وكل حمراء لحمه، وكل خضراء نضرة نعماء، وكل زرقاء نطفة ماء، وكل صفراء فلذة حلواء، تسمى باسم من الأسماء، فقضى مدة حياته منغصًا واستوفى رزقه من الدنيا، إلا أنه أخذه منقصًا، وهيهات


(١) ترجمته في الوافي بالوفيات ٢/ ١٥٩، أعيان العصر ٤/ ٢٨٢، معرفة القراء الكبار ٢/ ٧٤٤، غاية النهاية ٢/ ٥٧.
(٢) من قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ سورة سبأ: الآية ١٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>